بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢٧ - تنبيهات مقدمات الحكمة
قابلية أن يثبت تعدد الحكم إلّا إذا قامت قرينة عرفيّة من الداخل أو الخارج على انّ الحكم متعدّد كما هو الحال في النهي بالنسبة إلى متعلّقه، فإنّ النهي بالنسبة إلى متعلّقه، و إن كان مقتضى الأصل فيه وحدة الحكم كما في خطاب لا تشرب الخمرة، لأنّه لو خلّي و طبعه يقتضي أن لا يثبت إلّا حكما واحدا، لكن وجود قرينة عرفية تدلّ على الشمول و الكثرة، و هي غلبة نشوء النهي عن المفسدة، و غلبة كون المفسدة انحلاليّة متكثّرة يشكّل قرينة عرفية على الانحلال في المقام، و لو لا هذه القرينة لكان مقتضى الاصل هو البدلية، و لكانت القضية في خطاب «لا تشرب الخمر» قضية حقيقية لو خليت و طبعها، بحيث لو شرب لعوقب مرة واحدة ثم يرتفع الخطاب، و لكن كما قدّمنا لك بيانه و حقيقة مرامه.
٤- التنبيه الرابع: في الانصراف: و الانصراف حالة معينة في اللفظ قد تؤدّي إلى عدم تمامية مقدمات الحكمة، و يقصد بالانصراف أنس الذهن بحصة خاصة من حصص الطبيعة التي وضع اللفظ لها، و هذا الأنس يوجب انصراف اللفظ إلى تلك الحصة المأنوسة، هذا بحسب المعنى.
و أمّا تحقيق حال الانصراف فنقول: إنّ انصراف اللفظ إلى خصوص حصة من حصص الطبيعة، سببه أحد أمور ثلاثة.
١- الأمر الأول: كثرة وجود هذه الحصة من بين سائر حصص الطبيعة خارجا، و ندرة وجود الباقي، كما يتصور الإنسان أنّ الإنسان أسود فيما إذا كان يعيش في بلد يكثر فيه الإنسان الأسود، و كذلك العكس، فقد يتصوّر الإنسان أنّه لا أسود فيما إذا كان يعيش في بلد يكثر فيه الإنسان اللّاأسود، فهذا أنس قائم على أساس كثرة الوجود خارجا، و الانصراف الذي ينشأ منه لا علاقة له باللفظ و الدليل أصلا، و لذا فهو لا أثر له في فهم المعنى من الدليل، و لا يوجب هدم الإطلاق، و لا إعاقة مقدمات الحكمة، لأنّ هذا الانصراف لم يكن بسبب اللفظ، اللّهمّ إلّا إذا كانت ندرة هذا النادر الذي انصرف عنه