بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٣ - المسلك الثالث هو أن يقال إنّ حقيقة النسخ هي ما ذكرناه في المسلك الثاني حرفا بحرف، لكن يضاف هنا
و الخلاصة هي أنّ العام لكونه في معرض التخصيص، سيّما مع وجود خاص متقدم صالح لتخصيصه، فإنه و الحال هذه لم تنعقد السيرة العقلائية على حجيته.
و قد يتوهم انّ الكلام بنفسه يجري في جانب الخاص حيث يقال: إنّ الخاص هو أيضا في معرض النسخ في المقام، بدعوى انّ اصالة عدم النسخ مرجعها إلى الإطلاق الأزماني، و الإطلاق معرّض للتقييد، إذن فنفس المعرضيّة الموجودة في العام هي موجودة في الخاص، حيث يحتمل كون العام ناسخا له، و ما لم يتخلص من هذه المعرضيّة و هذا الاحتمال في إطلاق الخاص، فإنه لا يكون حجة كما صار عليه العام.
و هذا التوهم غير صحيح.
و جوابه: يكون بلحاظ المسالك الثلاثة المتقدمة.
أمّا جوابه بلحاظ المسلك الأول- و الذي يرجع اصالة عدم النسخ إلى الإطلاق الأزماني في دليل الحكم- هو أن يقال: إنّ الإطلاقات الأزمانية ليست في معرض التقييد، لأنّ تقييدها عبارة عن النسخ، و لمّا كان النسخ نادرا فهو لا يوجب وجود حالة المعرضيّة فيها، و هذا بخلاف الإطلاقات الإفرادية، فإنّ شيوع التخصيص الإفرادي يوجب وجود حالة المعرضيّة للتقييد فيها، و من ثمّ يوجب وهن حجيّتها، و عليه: فالإطلاق الأزماني مقتضى الحجية فيه موجود، و المانع عنها مفقود، أمّا كون مقتضي الحجية موجود، فلأنّ ظهور الإطلاق الأزماني لم يبتل بما يعرضه للتقييد، و أمّا كون المانع عن الحجية مفقود، فلأنه لا يتصور مانع على تقدير وجوده، إلّا العموم، و اصالة العموم في نفسها غير جارية، إذن، فلا مانع من جريان اصالة عدم النسخ.
و أمّا جواب التوهم على المسلك الثالث فهو، أن يقال: بأنّه حتى لو فرض انّ النسخ كان كثيرا أيضا كالتخصيص، رغم هذا، فإنّ كثرة النسخ حينئذ، ليس معناه ضعف كاشفية الخطاب، بل هدم و عدول عن مدلول الخطاب بعد كشفه و صدقه و كاشفيته كما هو مبنى المسلك الثالث، و حينئذ،