بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣٠ - تنبيهات مقدمات الحكمة
يراد رفعه و نفيه بالإطلاق هو شيء، على فرض ثبوته، يكون قيدا في المدلول الجدّي للفظ و موجبا لتضييق دائرة هذا المدلول الجدّي، فالإطلاق الحكمي ينفي القيد بظهور عام و لا يحتاج إلى قرينة في مورده، فهو غير ذاك الظهور الحالي السياقي المتقدم، و من هنا كان الإطلاق الحكمي هو مقتضى الأصل، فمثلا: حينما يقول: «أكرم الفقير»، فهنا الكلام مطلق، و لكن يحتمل أن يكون مقيدا بالعدالة، و هي على فرض دخالتها في مراد المولى، تكون مقيدة و مضيّقة لهذا المراد، و في مثل ذلك، المراد الجدّي «لأكرم الفقير»، يدور أمر العدالة فيه، بين كونها دخيلة في موضوعه ضمنا أم لا، و حينئذ، بالإطلاق الحكمي، نثبت عدم دخالتها بهذا الظهور العام من دون حاجة إلى قرينة في مورده، بل بذاك الظهور العام الذي هو غير ذاك الظهور الحالي السياقي المتقدم.
و أمّا الإطلاق المقامي، فهو شيء نريد أن ننفي به أمرا محمّلا، و هذا الأمر المحمّل على تقدير ثبوته لا يكون قيدا في المرام الجدّي للكلام الذي بين أيدينا، و إنّما يكون مراما آخر في مقابل هذا المرام، فمثلا: إذا قال الإمام (عليه السّلام)- في مقام بيان الوضوء-: «أ لا أعلّمكم وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)»، ثم قال (عليه السّلام): «غسل الوجه جزء من الوضوء، و غسل اليدين جزء، و مسح الرأس و القدمين كلّ منهما جزء ...»، الخ.
فهنا تارة نشكّ بأنّ غسل الوجه الذي هو جزء، هل هو غسل الوجه كيفما اتّفق، أم غسله من أعلى إلى أسفل؟ فهنا تجري مقدمات الحكمة، و نتمسك بالإطلاق الحكمي لإثبات أنّ الغسل جزء كيفما وقع، لأنّه لو كانت الجزئية مخصوصة بخصوص حصة خاصة من غسل الوجه، و هي من أعلى مثلا، لكان هذا قيدا زائدا في المرام الجدّي من كلامه، فيجب بيانه، و لكن المفروض أنّ الكلام لا يقتضيه، فننفيه بالإطلاق الحكمي و يتعيّن بمقتضى ذلك الظهور الحالي، انّ ما هو جزء إنّما هو طبيعي غسل الوجه ثبوتا، لأنّه هو المبيّن إثباتا، إذن فالمرجع هنا هو الإطلاق الحكمي.