بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢٩ - تنبيهات مقدمات الحكمة
٣- الأمر الثالث: من أسباب الانصراف هو، مناسبات الحكم و الموضوع العرفيّة الموجودة في الخطاب، و ذلك بأن يفرض انّ الخطاب متعرّض لعملية أو تشريع، و هذه العملية عرفيّة لها تطبيق عرفي أو تشريع له جذور عرفية، و العرف بما هو مركوز عنده من مناسبات، له نحو استيناس بمقدار هذه العمليّة و بحدود هذا التشريع، و حيث انّ استيناسه يكون بين الحكم و بين حصة معينة، لذلك ينصرف ذهنه إلى الحصة الخاصة، مثلا: إذا قيل: «الماء مطهّر»، فالمطهريّة حكم له منشأ عرفي، و المركوز في ذهن العرف، انّ الماء المطهّر يجب أن لا يكون قذرا في نفسه، فيفهم من دليل المطهّريّة بمناسبة الحكم و الموضوع، انّ المراد من الماء المطهّر هو، الماء الطاهر في نفسه لا النجس، فينصرف لفظ الماء إلى هذه الحصة الخاصة، و هذا الانصراف نشأ من مناسبات الحكم و الموضوع، و لذا لو تغيّر الحكم تغيّر الانصراف، فمثلا: لو ثبت كراهة نظر المحرم إلى الماء، فإنّه حينئذ لا ينصرف الذهن إلى الماء الطاهر، و لذا يتمسّك حينئذ بإطلاق الماء، فيشمل الطاهر و النجس، و مثله قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ فبما انّ مسح الرأس عملية عرفية لها تطبيق عرفي خارجا، حيث أنّ أيّ إنسان إذا أراد مسح رأسه، مسحه بكفه، فيوجب انصراف المسح إلى المسح باليد.
و هذا الانصراف حجة، و يكون هادما لمقدمات الحكمة و مانعا لها من الدلالة على الإطلاق، لأنّه يوجب ظهورا في الدليل في إرادة المقيّد، لأنّ مناسبات الحكم و الموضوع قرائن لبّية متصلة تكتنف الدليل و تشارك في ظهوره في مرحلة المدلول التصديقي، و إذا تمّ ظهوره في المقيّد لم يتمّ الإطلاق حينئذ.
٥- التنبيه الخامس: من تنبيهات مقدمات الحكمة هو، في التمييز بين الإطلاق الحكمي الثابت بمقدمات الحكمة، و الإطلاق المقامي، و هذان الإطلاقان مختلفان جوهرا و أساسا، و ذلك انّ التقييد المحتمل في موارد الإطلاق الحكمي و الذي