بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤١٤ - تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد
إنّ الاستدلال بالسيرة يكون على أساس انّ معنى السيرة هو السلوك و العمل المجسّد بسلوك و عمل العقلاء خارجا.
و من نتائج هذا النهج، الاقتصار في الحجيّة على خصوص ما مارسه العقلاء في حياتهم العملية، فمثلا، لا يمكن الاستدلال بسيرة العقلاء على قضية- «إن من حاز ملك»- لأنّ العقلاء لم يمارسوا هذا.
٢- المنهج الثاني: هو الاستدلال بالسيرة، بمعنى خلفيات السيرة و المضمون و المحتوى الارتكازي لها، و هو أمر يكون وراء سلوك العقلاء في حياتهم العملية، و بهذا المعنى، يكون للسيرة مدلول أوسع، لأنّ خلفيّات السيرة و محتواها الارتكازي الموجود وراء السلوك لا يحدّده ما يحدّد السلوك الخارجي للعقلاء كما يحدث لهم في ظروف معيّنة.
و حينئذ، إذا فرضنا أن بنينا على حجية السيرة بالمنهج الأول، فهذا معناه، إنّ الاستدلال بالسيرة يكون استدلالا بالقضايا الخارجية التي مارسها العقلاء، و حينئذ، من الواضح انّه إذا كان دليل حجية كل من العموم و الخبر هي السيرة، و نظرنا إلى العموم و الخبر كقضيتين خارجيتين، فلا يعقل انعقاد سيرة العقلاء على العمل بهما معا، كما لا يعقل أن يقدّم العقلاء أحدهما على الآخر في سيرته، بل لا بدّ من العمل على طبق أحدهما فقط، و لذا لا تصل النوبة إلى إيقاع التعارض بينهما و التساؤل عن المقدّم منهما، لأنّ معنى تماميّة كل من الدليلين، إنّ العقلاء عملوا فعلا بالخبر و عملوا بالعموم، و هذا غير معقول، لأنّهما متنافيان، إذن فلا بدّ أن يكون عملهم على طبق أحدهما.
و على هذا الأساس، لا بدّ من تغيير صيغة البحث، فبدلا عن القول بأنّ دليل الحجية في كل منهما تام في نفسه، و أنّ أيّهما يقدم على الآخر، بدلا عن هذا نقول: إنّ دليل الحجية يستحيل أن يتم فيهما معا، بل العقلاء إمّا أن يعملوا بهذا فقط، أو بذاك فقط، و عليه: حينئذ ينبغي الرجوع إلى العقلاء، لنرى انّهم في هذه الحالة، بأيّ الدليلين يعملون؟
و هنا ندّعي أنّ السيرة العقلائية قائمة على العمل بخبر الثقة، و تخصيص العام به.