بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٨ - كيفية علاج التعارض الواقع بين الأصلين
و توضيحه: إن الأحكام بحسب نظام اللغة، تارة، تتصل بموضوعاتها مباشرة، كما في قوله «أكرم العالم»، فإنّ الفعل هنا متصل بمفعوله مباشرة و ابتداء و بلا حاجة إلى موصل.
و تارة أخرى يحتاج لاتصاله بموضوعه إلى موصل في مرحلة المدلول التصوري،- و ذلك لمحذور نحوي ذكره علماء العربية- كما في قولنا: «زيد أكل»، فإنّ الفعل هنا لا يتصل بالفاعل، «زيد» مباشرة، لتقدم «زيد»، إذن فلا بدّ له من موصل يوصله به، و هذا الموصل هو الضمير في المقام، فالضمير عبارة عن مفهوم مجمل مستقل يأتي لمجرد الإشارة إلى تلك الصورة الثابتة للمرجع، إذن فهذا المفهوم متطابق مع المرجع لا أنّه يعطي صورة ثانية «لزيد»، إذن ليس هو في قوة تكرار اللفظ مرة ثانية، بحيث يحدث صورة مستقلة في الذهن، بحيث يصبح «للعالم» صورتان، و إنّما الضمير مشير إلى الصورة الأولى، و من هنا جاءت المعرّفيّة للضمير، مع انّ مرجعه قد يكون نكرة، فلو كان الضمير تكرارا لمرجعه، لكان هذا الضمير نكرة أيضا عند ما يكون مرجعه نكرة، و إنّما كونه معرفة، باعتبار انّه إشارة، و ليس في قوة التكرار.
و حينئذ: بناء على أنّ الضمير ليس في قوة التكرار، بل هو مشير فقط، تتضح حقيقة الحال، و تندفع الشبهة، لأنّه عند ما نقول: «أكرم العالم و قلّده»، لم تعط كلمة «عالم» تصورين و معنيين، بل هناك صورة واحدة و معنى واحد في عالم المدلول التصوري، و هذه الصورة أشير إليها بالضمير.
و بناء على هذا، فمقدمات الحكمة ليس لها إلّا مصب واحد هو، هذه الصورة الواحدة التي هي في الذهن إمّا مطلقة، و إمّا مقيّدة، و يستحيل أن تكون مطلقة بلحاظ الحكم الأول، و مقيّدة بلحاظ الحكم الثاني، أي مطلقة و مقيدة بلحاظين معا، بل إذا فرض كونها مقيّدة بلحاظ الحكم الثاني، فيلزم كونها كذلك بلحاظ الحكم الأول، و لو بإعمال عناية أخرى، من قبيل تحويل الضمير من كونه مجرد إشارة إلى كونه مفيدا لصورة مستقلة، و هذه هي عناية الاستخدام بالضمير، فيكون بلحاظ أحدهما مطلقا، و بلحاظ الآخر مقيدا بواسطة الاستخدام.