بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٢ - الكلام فى الفرع الأول
بالعام، إلّا بأن يقال: بأنّ مفاد «أكرم كلّ فقير»، بالنسبة إلى «زيد» هو فعليّة المجعول لا الجعل، إذ لو كان مفاده هو الجعل، لقلنا حينئذ، أيّ جعل هو؟
هل هو جعل وجوب مطلق، أو انّه جعل وجوب مشروط؟ و الأول يكذبه المخصص، و الثاني لا يفيد، إذ هو اختيار لوجوب منفي أو اتجاه نحوه.
و هذا المجعول هو، أحد الأحكام التي جعلت على وجه كلّي، غاية الأمر، إنّ المولى شخّص انّ الموضوع هنا متحقق فيثبت الحكم.
و حينئذ، لو قطعنا النظر عن خبرة المولى و عدمها، نقول: بناء على هذا، لا يعقل أن يكون العام- «أكرم كلّ فقير»- بالنسبة إلى «زيد»، إنشاء، بل لا بدّ أن يكون إخبارا، لأنّ مفاده بالنسبة إلى زيد حينئذ،- بناء على هذه الدعوى- هو فعليّة مجعول جعل ليس مجعولا و لا مدلولا له، إذ الإنشاء مرجعه إلى الكشف عن نفس الجعل، و هذا ليس كذلك، بل هو كشف عن المجعول و إخبار عنه.
و حينئذ، فإمّا أن يفرض أنّ تمام العام حوّل إلى إخبار، و هذا خلاف الظاهر من جملة «أكرم كلّ فقير»، لأن ظاهرها أنّها إنشاء. في غير زيد، و إمّا ان نقتصر على خبريتها بلحاظ هذا الفرد- زيد- فقط، و تبقى إنشاء في غيره، و هذا باطل بالضرورة، لأنّه جمع بين الإنشاء و الإخبار في جملة واحدة، و هو خلاف بناء العقلاء، إذن فلا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
و أمّا ورود هذا الإشكال على الطريق الثاني، الذي كان يدّعى فيه، إنّ شمول حكم العام- «أكرم كلّ فقير»- لزيد، يكون مفاده حكما ظاهريا، و قد عرفت بأن هذا يلزم منه محذور تحويل الجملة من الإنشاء إلى الإخبار، لأنه يكون عندنا بلحاظ زيد حكم ظاهري، و بلحاظ بقيّة الأفراد حكم واقعي مجعول بنحو واقعي، و الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي متباينان موضوعا، لأنّ موضوع الحكم الواقعي هو ذات الفقير العادل، بينما موضوع الحكم الظاهري هو المشكوك بما هو مشكوك، و مع التباين بين موضوعهما لا يعقل اجتماعهما في جعل واحد و بإنشاء واحد، لأنّ موضوع هذا الجعل