بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٤ - المسلك الثالث هو أن يقال إنّ حقيقة النسخ هي ما ذكرناه في المسلك الثاني حرفا بحرف، لكن يضاف هنا
كثرة النسخ لا توجب وهنا في كاشفية الخطاب، لأنّ النسخ ليس منافيا مع كاشفيته، لأنه لا علاقة للنسخ بضعف الكاشفيّة، و كثرة عدول المولى عن مدلول كلامه، لا يبرّر رفع اليد عن مدلول ذلك الكلام و أحكامه ما لم يكن هناك قرينة بالفعل على ذلك، و بهذا يتضح الفرق بين كثرة النسخ و بين كثرة التخصيص.
و هذا التقريب، رغم انّه حسن، إلّا أنّه لا يخلو من إشكال، و ذلك:
لأنه متوقف على أصل موضوعي، و هو كثرة التخصيصات بحيث يكون العام في معرض التخصيص، معرضيّة توجب وهنه و تزلزلا في كاشفيته و توقفا من قبل العقلاء في حجيته ما لم يخرج عن تلك المعرضية.
و من الواضح: انّ هذا الأصل الموضوعي- اصالة المعرضية للتخصيص- إنّما هو متوفر في كلام الأئمة (عليهم السّلام)، الذين عاشوا ظروفا غير عادية و غير طبيعية في مقام التبليغ، أدّت إلى أن يكون طرز البيان لديهم (عليهم السّلام)، غير عرفي في بعض الجهات، ممّا أوجب أن يعتمدوا على القرائن المنفصلة لضيق الخناق.
و أمّا بالنسبة للبيانات الصادرة في عصر التشريع- كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- سواء كانت قرآنية أو نبوية، فلم يعلم فيها كثرة التخصيص بالمخصّصات المنفصلة حتى يوجب ذلك، إلّا إذا فرغنا عن هذه المسألة و أثبتنا فيها انّه كلّما دار الأمر بين النسخ و التخصيص، فالتخصيص هو المتعيّن، و أمّا قبل الفراغ عن هذه المسألة و قبل قيام برهان على ذلك، فنحن نحتمل أنّ ما نراه في موارد المعارضة بين العام و الخاص أن يكون من باب النسخ لا التخصيص، و إذا كان بابه باب النسخ، فسوف يكون التخصيص قليلا جدا، و معه لا يبقى العام في معرض التخصيص بالشكل الذي ذكر، بحيث يوجب انثلام حجية العام بنظر العقلاء، و معه: لا يفيدنا هذا الجواب بالنسبة إلى عصر التشريع، و إن أفادنا بالنسبة إلى عصر الأئمة (عليهم السّلام)، إذن، فهو لا يزيد عن الجواب الأول بشيء ملحوظ.