بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٢ - المسلك الثالث هو أن يقال إنّ حقيقة النسخ هي ما ذكرناه في المسلك الثاني حرفا بحرف، لكن يضاف هنا
في غير ما إذا كانت في البين خاص متقدم، و أمّا مع وجوده و استلزام نسخه بالعام فإنه لم تقم السيرة المذكورة على حجية العام و العمل به.
و الحاصل هو، إنّه أساسا، دليل حجية هذه العمومات لا إطلاق فيه لهذه الحالة، و هذا بخلاف دليل حجية الإطلاق الأزماني، حيث لم يعلم انّه من ديدن الشارع فيه الاعتماد على القرائن المنفصلة، لندرة النسخ، و عليه:
فيبقي مشمولا لدليل الحجية الذي هو السيرة العقلائيّة، و هذا هو وجه تقديم الإطلاق الأزماني على الإطلاق الأفرادي.
و هذا الجواب، أحسن من سابقه، لأنّه لا يرد عليه كل ما ورد على السابق.
إلّا أنّ هذا الجواب مبني على سقوط العمومات التي تكون في معرض التخصيص عن الحجيّة رأسا عند العقلاء.
و كنّا قد أوضحنا سابقا انّ العام الذي هو في معرض التخصيص، إذا لم يعثر بالفحص عن مخصّصه فإنّه يخرج من دائرة المعرضيّة، و قد عرفت انّ دعوى سقوطه عن الحجية رأسا لا موجب لها.
التقريب الثالث للجواب الثاني: هو أن يقال: لو سلّمنا انّ هذه العمومات التي هي في معرض التخصيص قد انعقدت السيرة العقلائية على حجيتها إذا سلمت من هذه المعرضيّة.
لكن سلامة هذه الحجيّة، مع وجود خاص متقدم صالح لتخصيص هذه العمومات، هو أوّل الكلام، إذ تسلم حجية العام عند عدم وجود خاص صالح لتخصيصه، و أمّا مع وجود خاص و احتمال كونه مخصصا عند العقلاء يكفي في سقوط إطلاق العام عن الحجية، و هذا بخلاف إطلاق الخاص، فإنّه سالم عن المعرضية لندرة النسخ، و عليه: تكون المعارضة بينهما، معارضة بين الحجة و اللّاحجة، و ذلك لسلامة حجية إطلاق الخاص، و عدم سلامة حجية إطلاق العام، و هذا التقريب أرقى من سابقيه.