بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٧ - المقام الأول في مفهوم الموافقة
الحكم المذكور في المنطوق، بحيث لا ينفك عنه، إمّا لأجل المساواة في الملاك، أو للأولويّة فيه، و بهذا يكون الدال على مدلول مفهوم الموافقة هو نفس الحكم المنطوقي، فقوله تعالى، فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ، يدل على حكم منطوقي، و هو حرمة قول أف لهما، و هذه الحرمة المنطوقية تستلزم حرمة الضرب و الإهانة، فالدال على الحرمة الأولى هو، اللفظ و الكلام، و الدال على الحرمة الثانية هو، نفس الحرمة الأولى، أي الحكم المنطوقي، إذن فهما حكمان مترتبان، الكلام و اللفظ يدل على الأول، و الأول يدل على الثاني.
و الدلالة الثانية من هاتين الدلالتين، تكون قطعيّة دائما، لأنه مع فرض القطع بالملازمة بينهما، تكون دلالة الحكم المنطوقي على الحكم المفهومي قطعيّة أيضا، و مع عدم القطع بهذه الملازمة، لا دلالة حينئذ للحكم المنطوقي على المفهوم أصلا.
و هذا، بخلاف الدلالة الأولى، إذ قد تكون قطعيّة، كما لو كان اللفظ صريحا في الدلالة على الحكم المنطوقي، و قد تكون ظنية، كما إذا كان اللفظ ظاهرا في ذلك أو بالإطلاق.
ثم إنه لا يفرّق في قطعيّة الدلالة الثانية- في مفهوم الموافقة- بين أصل المدلول و إطلاقه، فإنّ إطلاق مفهوم الموافقة بلحاظ المرحلة الثانية أيضا يكون قطعيا، لأنه إذا لم تكن الملازمة المعلومة لها إطلاق، إذن فلا إطلاق حينئذ في المفهوم- الموافقة- و إن كان لها إطلاق، فالإطلاق في المفهوم قطعيّ حينئذ.
نعم قد يكون إطلاق مفهوم الموافقة ظني تبعا لإطلاق الحكم المنطوقي، و ذلك بأن لا يدل صريح اللفظ على الحكم المنطوقي و إنّما دلّ عليه الإطلاق بمقدمات الحكمة، فالظنية و عدم القطعية، تكون في الدلالة الأولى.
و هذا كلّه بخلاف مفهوم المخالفة، فإنّه ليس مدلولا لنفس الحكم