بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠٩ - ١- المقام الأول في أصل وجوب الفحص عن المخصص
و أمّا لو حدث العلم التفصيلي متأخرا، فحينئذ، ينجز طرفه من حين حصوله و حدوثه، و عليه: فهذا الطرف قبل حدوث العلم التفصيلي لا منجز له إلّا العلم الإجمالي، إذن فالعلم الإجمالي صالح للمنجزية في هذه الفترة، إذن، صلاحيته للتنجيز في الطرفين باقية على حالها لتأخر العلم التفصيلي عنه، و بهذا يبقى العلم الإجمالي على منجزيته.
و هذا البيان، قد يفيد في موارد النزاع بين الإخباريين و الأصوليين في موارد جريان البراءة، فيقال: إنّ العلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزامية كان منجزا ثم تعارضت الأصول- كاصالة البراءة- في أطرافه فتساقطت، ثم بعد ذلك حدث العلم التفصيلي ببعض الأحكام، حينئذ، لا يصح الرجوع إلى البراءة في الباقي لأنها قد سقطت.
و هذا الكلام لو تمّ هنا في مسألة البراءة، فإنه لا يتم في محل كلامنا، لأنه في مقامنا هنا لا يوجد تعارض بين الأصول و تساقط ليقال: إنّ الأصول بعد تساقطها لا تعود، إذ الأصول هنا غير الأصول هناك، فالأصل في مقامنا هو اصالة العموم، و الأصل هناك هو الأصول العملية، و اصالة العموم لا معارض لها، و إنّما تتعارض لو كان دليل الحجية تام الاقتضاء لكلا الطرفين.
فتعارض اصالة العموم فرع أن يكون دليل الحجية اقتضاؤه تام للطرفين، و إنّما يمنعه عن التأثير العلم الإجمالي، و هذا صحيح في باب البراءة، و هو غير صحيح في المقام، لأنّ دليل حجية ظهور العام لم يبق موضوعه محفوظا مع العلم الإجمالي، لأنّ حجية العام مقيّدة بعدم وجود مخصص معلوم و لو إجمالا.
و من الواضح انّه مع وصول المخصص المعلوم و لو بالعلم الإجمالي لا مقتضي لحجية العام و العمل به.
كما انّ السيرة العقلائية التي هي دليل حجيته هي مقيدة بعدم العلم بالمخصص و لو إجمالا، و حينئذ، فمع العلم الإجمالي بوجود مخصصات، إذن فنحن نعلم بأن مواردها خارجة عن دليل الحجية من أول الأمر، و الاشتباه