باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ٨٤ - الفرق الاسلامية
هذا المخطّط العباسي اعتمد على عدة أمور خلاصتها: اشغال المسلمين بالقضايا العقائدية و تفرقتهم و ابعادهم عن الشئون السياسية، من هنا وجدنا النوادي في بغداد و يثرب و البصرة و سائر أنحاء العالم الاسلامي تعج بالمناظرات الكلامية، و الجدل الفلسفي و احتجاج كل فريق على الفريق الآخر لتثبيت نظريته و دحض نظرية الآخرين، و كل هذه الفرق كانت تدور و تجول حول الاطار العقائدي في الاسلام. و قد وجهت الحياة العلمية في العصور العباسية إلى احداث المذاهب الإسلامية بعيدا عن الحياة السياسية التي يعيشها عامة المسلمين.
و نقطة هامة أخرى اعتمدها المخطط العباسي هي:
عزل أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) عن الحياة السياسية، و الرقابة المشددة عليهم، و منع الاتصال بهم، و ابعاد الناس عن الأخذ منهم فيما يعود إلى الأمور العقائدية و معالم الدين الإسلامي.
لذلك وجدنا المنصور الدوانيقي يعهد إلى الإمام مالك، أحد رؤساء المذاهب الأربعة وضع كتاب في الفقه يحمل الناس على العمل به قهرا، فامتنع مالك أول الأمر، و هو تلميذ الإمام جعفر الصادق، ثم رضخ لأوامر المنصور بعد الترهيب و الترغيب فوضع كتابه المعروف بالموطأ.
منذ ذلك الوقت بدأت الحكومات العباسية تساند أئمة المذاهب الأربعة، و تنشر فقههم، حتى انها حملت الناس على العمل بهذه المذاهب بعد أن اغدقت عليهم الأموال الطائلة، و كرمتهم تكريما عظيما لابعاد الناس عن المذهب الجعفري، مذهب الإمام الصادق و مذهب أئمة أهل البيت المتخذ برمته عن جدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، المتخذ عن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الذي هو أول من وضع بذرة التشيع، هذه البذرة الطيبة المباركة، و نماها و تعاهدها بالسقي و العناية [١].
[١] قال الإمام كاشف الغطاء (قدس اللّه مثواه): إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية- فوضعت بذرة التشيع مع بذرة الاسلام جنبا إلى جنب و سواء بسواء، و لم يزل غارسها يتعهدها بالسقي و العناية، حتى نمت و ازدهرت في حياته ثم-