باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ٢٤٢ - الإمام الكاظم في حصار التكاليف
و الإنسان يلتزم بفطرته بمسئوليات و قرارات، مع قطع النظر عن أحكام الأديان و أوامرها، و التكليف هذا ينشأ من علاقته بأوصافه و خصائصه و عواطفه المغروسة في نظام كيانه و وجوده، و إن كانت دوافعه الى أداء تكاليفه مختلفة أو صعبة. و بإمكاننا القول:
إن القواعد العقلية العامة هي محور التكاليف، أما إطاعة الأحكام الدينية فإنها ترجع الى اتباع القواعد و القرارات العقلية أيضا، لأن أحكام الأديان و أوامرها في مراحل الحياة و المسائل الاجتماعية هي تفصيلات لإجمال المدركات العقلية و معرفتها من الأمور الضرورية.
و ليست المشكلة في معرفة التكاليف، بل المشكلة الكبرى هي العمل بالتكاليف الشاقة. و هنا يتميز كل إنسان من الاقتراب الى مرحلة الكمال في إيمانه الراسخ و الثابت و القوي، و مراقبة نفسه مراقبة دقيقة أمام اللّه عزّ و جلّ و توطينها و تعويدها على التضحية و العطاء.
و المجتمع البشري و إن كان مرتعا صالحا لنمو الفضائل الانسانية و ظهورها و تكاملها، لكنه صالح أيضا لظهور كثير من الرذائل و الآفات.
و التكامل الاجتماعي يصاب بالركود و التوقف فيما إذا تجاوز كل فرد من الأفراد عن حدود وظائفه و تكاليفه، أو تناسى أو تنكر لمسئولياته الكبرى الملقاة على عاتقه. فالنبتة المزروعة حديثا بحاجة الى عناية خاصة و مجهود خاص حتى تتطور فتصل في مراحل نموها الى كمالها اللائق بها. و المجتمع قد يثمر و يتكامل ليس بموقعه الجغرافي و أوضاعه المادية، بل بأوضاعه التربوية الخاصة و إمكاناته المعنوية التي يقوم على أساسها المجتمع الفاضل الراقي. و في هذا المجتمع الذي تسود فيه روح المعرفة بالتكاليف، ستكون الطهارة و الصدق في ضمائر القلوب، و في إدراكات العقول، و في جميع شئون الحياة الظاهرة للعيان.
إنّ مجتمعا كهذا وضعه لا تنمو فيه الخيانة، و لا يظهر فيه العدوان على حقوق الآخرين، بل لا يسمح لها المجال للنمو و الظهور، فيقف كل فرد فيه عند حدوده و أمام مفاسد أعماله فيحاسب نفسه و يمنعها من التجاوز عملا بقول الرسول الأعظم: «رحم اللّه امرأ عرف حدّه فوقف عنده» و لا نضلّ الطريق إلا إذا تقاعسنا