باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ١٧٠ - محاسبة النفس الإمام الكاظم عالم نفسي
وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [١].
فعلم أصحاب البصائر أن العليم بالسرائر و المطلع على الضمائر سيحاسبهم على كل صغير أو كبير أو جليل أو حقير، و على مثاقيل الذر من الخطرات و اللحظات و الغفلات، و لا ينجيهم من هذه الأخطار العظيمة و الأهوال الجسيمة إلّا محاسبة أنفسهم في الدنيا قبل أن يحاسبوا يوم القيامة.
قال الإمام الصادق (عليه السّلام): إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم، و لا يكون له رجاء إلا من عند اللّه، فإذا علم اللّه ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقام ألف سنة، ثم تلا (عليه السّلام): فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [٢].
و معنى المحاسبة هو أن يحاسب الإنسان نفسه أولا بالفرائض التي هي بمنزلة رأس ماله، فإن أدّاها على وجهها شكر اللّه على هذه النعمة، و إن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء. و كما أن التاجر يفتش في حساب الدنيا عن القيراط و الحبة ليحفظ مداخل الزيادة و النقصان، فينبغي عليه أن يتقي غائلة النفس و مكرها لأنها خداعة، فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما يتكلم به طوال نهاره و ليتكفل بنفسه من الحساب ما يستولي غيره في صعيد القيامة.
و هكذا عن نظره و سمعه و لسانه، بل عن خواطره و أفكاره و جميع جوارحه حتى عن سكونه و سكوته و أكله و شربه. فإذا عرف مجموع واجبات نفسه و صح عنده قدر ما أدى من الحق، كان ذلك القدر محسوبا له، فيثبته عليها و يكتبه على صحيفة قلبه.
قال الإمام الباقر (عليه السّلام): لا يغرنك الناس من نفسك، فان الأمر يصل إليك دونهم، و لا تقطع نهارك بكذا و كذا فان معك من يحفظ عليك عملك فأحسن فاني
[١] سورة الكهف، الآية ٤٩.
[٢] سورة المعارج، الآية ٤.