باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ٢٤٦ - بإرادة الإنسان تعمر الأوطان
إنّ قوة الإرادة موهبة إلهية خيّرة لا ينبغي أن نتركها دون الإفادة منها، أو أن نصرفها في الأعمال البربرية و المنحطّة، بدلا من أن نوظفها في تكاليفنا الشرعية.
ان افتقاد الإرادة هو ضعف في اتخاذ التصميم و القرار، و هو سدّ مانع للقيام بتكاليفنا.
لكن الإفادة من الإرادة لهداية الضمير و الوجدان من أجل الكفاح ضد الشهوات، و أهواء النفس، و الانتصار على عبادة النفس صعب في بداية الأمر و هو بحاجة أكيدة الى روح التضحية، و لا بد من مواصلة السعي الدائم لتتقوّى روحية الإنسان تدريجيا، و تنمو أخلاقياته الفاضلة، و عندئذ يصبح العمل بالتكليف له أمرا عاديا جدا يتحمله المكلف بيسر و سهولة.
فلو كان الشعور بالمسئولية قويا في كيان الإنسان لم تعد الموانع التي تعترضه سببا في ضعفه و انهزامه أمامها، أما إذا فشلت مساعيه و لم تثمر في مواجهة العوامل السلبية فلا أقل بأضعف الإيمان من أن يحصل على رضا ضميره و راحة نفسه، و سيكون مرفوع الرأس أمام نفسه و أمام مجتمعه و ذلك انه قدر على تحمّل خيبة الأمل و الهزيمة من أجل أداء وظيفته، و القيام بدوره الإنساني و رسالته في الحياة.
و هنا أتذكر وصية هامة نصح بها أب ابنه فقال له:
يا بني: كن أنت فقيرا لا مال في يديك، و دع الآخرين يثرون أمام عينيك بالخداع و التزوير و الخيانة. عش أنت بلا جاه و لا مقام، و دع الآخرين يتسلّمون المناصب العالية بالخضوع السمج و الإلحاح الملحّ. عان أنت الآلام و الخيبة، و دع الآخرين يبلغون أمانيهم بالخضوع و التملّق. أعرض أنت عن طلب الجاه و السعي وراء الزعامة، و دع الآخرين يبلغون أمانيهم بالخضوع و التملق. أعرض أنت عن معاشرة كبار الرجال ممن يتفانى الآخرون للاقتراب منهم. من الأفضل لك أن تتقمّص لباس الفضيلة و التقوى. فإذا ابيضّ شعر رأسك و لم تلوث قطرة من سواد الفساد حسن صيتك و على شرفك فأدّ حقّ شكر اللّه، و استسلم بقلب مبتهج مسرور.
يتبين لنا من خلال هذه الوصية القيمة باختصار و كأن الأب يوصي ابنه بالبعد