باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ١٢٧ - من وصية له
و قال (عليه السّلام): «يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، و كثير العمل من أهل الهوى و الجهل مردود».
فهو يعني (عليه السّلام) ان قليل العمل من العالم مقبول و السبب في ذلك يعود: بأن العلم يطهّر النفوس، و يصفّي القلوب، و يوصل إلى معرفة اللّه عزّ و جلّ و فضيلة كل عمل إنما هي بقدر تأثيرها في صفاء القلب، و إزالة الحجب عن النفس، و الظلمة عن الروح. و هي تختلف بحسب الأفراد، فربّ إنسان يكفيه قليل العمل في صفاء نفسه نظرا للطافة طبعه، ورقة حجابه، و رب إنسان لا يؤثر العمل الطيّب الذي يصدر منه في صفاء ذاته، نظرا لكثافة طبعه، و كثرة الحجب على نفسه.
و قال (عليه السّلام): «يا هشام: إن العقلاء زهدوا في الدنيا و رغبوا في الآخرة، لأنّهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة، و الآخرة طالبة و مطلوبة.
فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، و من طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه و آخرته».
ذلك ان الأعمار بيد اللّه سبحانه، و ساعة كل انسان مجهولة، و قد تكون قريبة، فمن لم يحضر نفسه لها فقد يخسر و لا مجال عنده للتعويض. و قال (عليه السّلام):
«يا هشام: إن اللّه حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [١]».
لقد قالوا هذا القول حين علموا ان القلوب تزيغ و تعود إلى عماها، و انه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه، و من لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها و يجد حقيقتها في قلبه، و لا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدّقا، و سرّه لعلانيته موافقا، لأن اللّه تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلّا بظاهر منه، و ناطق عليه».
لقد أشار الإمام (عليه السّلام) بكلامه هذا إلى أن المؤمن إذا لم يكن قلبه مستضيئا بهدى اللّه، فإنّه لا يكون آمنا من الزيغ، كما لا يكون آمنا من الارتداد بعد الدخول
[١] سورة آل عمران، الآية ٨.