الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٠ - لا لتعطيل الحدود
مثلًا- ولكن يجب ألَّا ننسى أنه انتهك حُرمة دين الله. فإذا سمحنا له بالهرب من طائلة العقوبة، فذلك يعني أن نعرِّض المجتمع كلّه للفساد، لذا ينهانا القرآن أن نرأف بالزناة- كنموذج بارز من الجرائم- وغيرهم من المجرمين، لأن التشديد عليهم يُصلحهم من جهة، ويكون رادعاً للآخرين عن التورط في الجرائم البشعة من جهة أخرى.
تزكية المجتمع من الجريمة
وهنا لابدّ أن نشير إلى أنّ تشريع العقوبات للجرائم المختلفة لا يهدف الانتقام والتشفي، كما لا يعني إلغاء شخص المجرم من المجتمع، بل الهدف الأساسي للتشريعات الإسلامية في مواجهة ظاهرة الجريمة هو تزكية المجتمع منها ومن آثارها السلبية، من هنا فإنّ الله تعالى يفتح أمام المجرمين والجناة باب التوبة وإصلاح الذات والعودة إلى أحضان الفضيلة والرشاد، ولكن بشرط ألَّا تكون التوبة لفظية فحسب، بل ينبغي أن تكون توبة نصوحاً تنعكس في إصلاح ما أفسدوه بممارستهم الإجرامية، لذلك نقرأ بعد الآية الكريمة التي تحدد عقوبة السارق، قوله تعالى: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١].
ويُعد نظام العقوبات في الشريعة الإسلامية أحد أوجه إقامة القسط والعدل في المجتمع، ولذلك فإنَّ الروايات الشريفة تؤكد عليه. روى عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي إبراهيم عليه السلام- (الإمام موسى الكاظم) (فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [٢] قَالَ عليه السلام:
لَيْسَ يُحْيِيهَا بِالْقَطْرِ [٣]، وَلَكِنْ يَبْعَثُ اللهُ رِجَالًا فَيُحْيُونَ الْعَدْلَ فَتُحْيَا الْأَرْضُ لِإِحْيَاءِ الْعَدْلِ، وَلَإِقَامَةُ الحَدِّ فِيهِ أَنْفَعُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْقَطْرِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً) [٤]
. لا .. لتعطيل الحدود
ويُعدّ تعطيل الحدود التي قررتها الشريعة الإسلامية، وجهاً من وجوه معاندة الله عزّ وجلّ، فقد جاء في حديث طويل:
(أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عليه السلام فَأَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ عليه السلام: اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهَا أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ وَإِنَّكَ قَدْ قُلْتَ لِنَبِيِّكَ صلى الله عليه واله فِيمَا أَخْبَرْتَهُ مِنْ دِينِكَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ عَطَّلَ حَدًّا مِنْ
حُدُودِي فَقَدْ عَانَدَنِي
[١] سورة المائدة، آية: ٣٩.
[٢] سورة الروم، آية: ١٩.
[٣] أي: ليس يحييها بالقَطْر فقط.
[٤] وسائل الشيعة: ج ٢٨، ص ١٢ ..