الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - ٤ - الشهادة لا تغير الواقع
الشهادتان لأنهما غير متطابقتين على معنى واحد.
٣- إذا جاءت الشهادات المتعددة متفقة على أصل الموضوع ولكنها مختلفة في بعض التفاصيل الأساسية مما يؤثر في صدقيتها وتطابقها كالاختلاف في الزمان والمكان، فإنها لا تُقبل أيضاً، ومثال ذلك: إذا شهد رجلان على وقوع السرقة المعيَّنة إلا أنّ أحدهما حدّد الصباح لوقوع السرقة في حين قال الآخر: إنها كانت في الليل. أو قال أحدهما: إنها كانت في الشارع الفلاني في جنوب المدينة، في حين قال الآخر: في شمال المدينة. أو قال الأول: إن المسروق هو سيارة بيضاء من نوع تويوتا، وقال الآخر: إنها سيارة حمراء من طراز مازدا، وهكذا ..
٤- إذا كان الاختلاف بين الشهادتين إلى حد التعارض فيما بينهما سقطتا من الاعتبار تماماً، فلا يُعتنى بهما في حل الدعوى حتى مع إضافة يمين المدعي إلى أحدهما، كما لو قال أحد الشاهدين: إن السيارة ملك لزيد، وقال الآخر: إنها ملك لعمرو، سقطت الشهادتان معاً.
٤- الشّهادة لا تغيّر الواقع
قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [١].
الأحكام المذكورة في القضاء وفيما نحن فيه من الشهادات إنما هي لفضّ النزاعات وحل الاختلافات بين الناس بحسب الظاهر وبناءً على ما تؤدي إليه الأدلة والبراهين المقبولة شرعاً أو عرفاً، ولكن الحكم الذي يصدره القضاء لا يغيِّر شيئاً من الواقع الذي يعلمه الله وقد يعلمه أيضاً بعض أطراف النزاع.
فإذا جاء حكم القضاء مطابقاً للواقع فلا كلام. أما إذا كان الحكم مخالفاً للواقع فإنَّ كل ما يترتب عليه من آثار خارجية فإنما هو بحسب الظاهر فقط، ويبقى الواقع كما هو. وعلى مَنْ يعلم بالواقع من أطراف النزاع أن يتصرف وفق الواقع لكي تبرأ ذمته أمام الله سبحانه.
فمثلًا: إذا اختلف شخصان على ملكية مصنع، ورفعا القضية للقضاء، وبعد تداول القضية وتطبيق القواعد الشرعية في المرافعة القضائية وشهادة الشهود لمصلحة (ألف) صدر حكم القضاء استناداً إلى شهادة الشهود بملكية (ألف) للمصنع، وتجريد (باء) من علاقة المالكية للمصنع، ولكن في واقع الأمر كان المصنع ملكاً ل- (باء) وكان (ألف) ظالماً في ادِّعائه،
[١] سورة البقرة، آية: ١٨٨ ..