الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣ - أولا القذف
القسم الثالث: عقوبات سائر الجرائم
أولًا: القذف
تمهيد
قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١].
في الآية (٤) من سورة النور يفرض الله تعالى عقوبةً شديدة على مَنْ يرمي المحصَنات بتهمة الزنا دون أن يأتي بأربعة شهداء عدول على ذلك ممن شهدوا الحادثة بأم أعينهم.
ولا تكتفي الشريعة بهذه العقوبة البدنية، بل تضيف إلى ذلك عقوبة قضائية رديفة لها، إذ يجب إسقاط اعتبار هذا الإنسان في المجتمع بعد إجراء حد القذف عليه، لأنّه بعمله هذا يكون قد فقد عدالته، فلا تُقبل شهادته بعد ذلك، ليس في قضية الزنا فقط، بل وأيضاً في سائر القضايا الاجتماعية كالعقود المالية، وإثبات الهلال، وسائر الموضوعات، وفي ذلك تأديب معنوي له بالإضافة إلى التأديب البدني بالجَلْد.
ولا نجد كعقوبة القذف عقوبةً صارمةً على اللسان في التشريعات الإسلامية، وإنما يقصد الإسلام من هذا التشدّد في عقوبة القذف، المحافظة على الحياة الأسرية في المجتمع من التفتت والانهيار، وكما أنّ الزنا من أشد عوامل انهيار الأسرة فإن الاتّهام به يؤدي إلى النتيجة ذاتها تقريباً، إذ إنه من الجرائم التي يمكن الاتّهام بها سريعاً.
وقد اعتبر القرآن من يقذفون المحصَنات بالزنا، دون الإتيان بأربعة شهود، فاسقين، لأنهم بعملهم هذا يوجهون أكبر ضربة لشرف المجتمع الذي جاءَت الأديان السماوية لإصلاحه وإحكام بنائه.
[١] سورة النور، آية: ٤- ٥ ..