الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠١ - لا لتعطيل الحدود
وَطَلَبَ بِذَلِكَ مُضَادَّتِي) [١].
ولكن من جهة أخرى يجب الالتزام بحدود الله وعدم تجاوزها، فالمجرم يجب أن يقام عليه الحد المشروع إلَّا أنه لا يجوز الاعتداء على حقوقه وتجاوز ما عيّنته الشريعة من عقوبة.
روى الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال:
(إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدًّا، وَجَعَلَ عَلَى مَنْ تَعَدَّى حَدًّا مِنْ حُدُودِ الله عَزَّ وَجَلَّ حَدًّا، وَجَعَلَ مَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ الشُّهَدَاءِ مَسْتُوراً عَلَى المُسْلِمِينَ) [٢]
. وجاء في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام (في قول الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [٣]. فَقَالَ عليه السلام:
إِنَّ الله غَضِبَ عَلَى الزَّانِي فَجَعَلَ لَهُ جَلْدَ مِائَةٍ، فَمَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ فَزَادَهُ فَأَنَا إِلَى الله مِنْهُ بَرِيءٌ) [٤].
للمجرم حقوق أيضاً ولابدّ من مراعاة حقوق المجرم عند إقامة الحدِّ عليه، صحيح أنّ من يُقام عليه الحد قد ثبت ارتكابه لجريمة معينة تستحق العقوبة المحدَّدة لها، ولكن لا يعني هذا أنّ المجرم أصبح مسلوب الحقوق بشكلٍ كامل، بل لابدّ من مراعاة العدل والإحسان حتى عند إنزال العقوبة بحقّه.
روى هشام بن أحمر عن العبد الصالح (الإمام الكاظم عليه السلام)، فقال:
(كَانَ عليه السلام جَالِساً فِي المَسْجِدِ وَأَنَا مَعَهُ فَسَمِعَ صَوْتَ رَجُلٍ يُضْرَبُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْبَرْدِ، فَقَالَ عليه السلام: مَا هَذَا؟. قَالُوا: رَجُلٌ يُضْرَبُ!.
فَقَالَ عليه السلام: سُبْحَانَ الله فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِنَّهُ لَا يُضْرَبُ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الحُدُودِ فِي الشِّتَاءِ إِلَّا فِي أَحَرِّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، وَلَا فِي الصَّيْفِ إِلَّا فِي أَبْرَدِ مَا يَكُونُ مِنَ النَّهَارِ) [٥].
كما ينبغي مراعاة الظروف المختلفة في إقامة الحد، مخافة أن تترتب عليها آثار سلبية هي أخطر من الجريمة نفسها. فقد روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال:
(لَا أُقِيمُ عَلَى رَجُلٍ حَدًّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا مَخَافَةَ أَنْ تَحْمِلَهُ الحَمِيَّةُ فَيَلْحَقَ بِالْعَدُوِّ) [٦]
[١] وسائل الشيعة: ج ٢٨، ص ١٣.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٢٨، ص ١٥.
[٣] سورة البقرة، آية: ٢٢٩.
[٤] وسائل الشيعة: ج ٢٨، ص ١٨.
[٥] وسائل الشيعة: ج ٢٨، ص ٢١.
[٦] وسائل الشيعة: ج ٢٨، ص ٢٤..