الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٢ - تمهيد
كما يأمرنا الله تعالى عبر الآية ٥٨ من سورة النساء أن نحكم بالعدل بين الناس:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [١].
ثم يستنكر الباري عز وجل أن يلجأ بعض الناس الى الطاغوت ليحكم بينهم، فحكم الطاغوت مرفوض، والتحاكم إليه حرام: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً [٢].
ورغم أن القوانين العامة والأصول الكلية والقيم الأساسية التي يعتمد عليها القضاء في الإسلام ليست نابعة من تشريعات بشرية، بل من ينابيع الوحي مما يرفع درجة الثقة بها إلى مستويات عالية، إلا أن هذا الجانب يشكِّل نصف القضية، والنصف الآخر هو شخص القاضي الذي هو واحد من البشر، فيه ما فيهم من المصالح والأهواء والذاتيات، إلى جانب ما فيه من العقل والإنصاف وسائر الخصال الحميدة، فما هو الضمان أن ينطلق القاضي- الإنسان من منطلق العقل والإنصاف والقيم الإيمانية، وليس من منطلق الأهواء والمصالح والذاتيات؟.
الإسلام يحل هذه المشكلة عن طريق اشتراط توافر درجة عالية من النزاهة فيمن يتصدى للقضاء بين الناس وهي: العدالة التي تعني تمتع الشخص بقدرة فائقة على ضبط النفس عن الانجرار وراء
الأهواء، وبقدر كبير من التجرد لله وطاعته والابتعاد عن معاصيه، وإذا ما غلب عليه هواه في لحظة طائشة فإنه لا يصر على الذنب بل يستغفر الله ويعود إلى جادة الصواب.
روي عن الإمام الصادقعليه السلام أنه قال:
(اتَّقُوا الحُكُومَةَ، فَإِنَّ الحُكُومَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْإِمَامِ الْعَالِمِ بِالْقَضَاءِ الْعَادِلِ فِي المُسْلِمِينَ ..) [٣].
إن اشتراط العدالة يرفع درجة الاطمئنان والثقة لدى الناس المترافعين إلى القضاء، فأسس وقيم القوانين إلهية، ومَنْ يقوم على تطبيق هذه القوانين شخص عادل ونزيه، الأمران اللذان يرفعان درجة الوثوق والاطمئنان إلى الأحكام الصادرة من القضاء.
[١] سورة النساء، آية: ٥٨.
[٢] سورة النساء، آية: ٦٠.
[٣] وسائل الشيعة: ج ٢٧، ص ١٧ ..