الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥١ - تمهيد
تمهيد
لا نبالغ إذا قلنا: إن (القضاء) أهم ما تستند إليه المجتمعات البشرية في تنظيم علاقاتها ورسم حدود مسيرتها في الحياة، ذلك لأن القضاء هو أهم جهاز يقوم بتطبيق القوانين على الناس، وبحل النزاعات والخلافات التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، بسبب تصادم المصالح، وتقاذف المسؤوليات.
وكلما كان تطبيق القوانين وحل النزاعات أقرب إلى دائرة العدل والقسط، كان المجتمع أكثر تمتعاً بالطمأنينة، وأكثر ثقة بنفسه ونظامه، وأسرع مسيرة نحو التقدم والبناء.
وعدالة القضاء- في الرؤية الإسلامية- لا تتحقق إلا بارتباط المؤسسة القضائية، وقوانينها بالله- عبر القرآن الكريم- وبالرسول صلى الله عليه واله والأئمة المعصومين عليهم السلام- عبر السُنَّة الشريفة.
وكلما ابتعد القضاء عن دائرة الوحي كان أكثر عرضة للجنوح عن الحق، والابتعاد عن الفصل السليم والمرضي في قضايا الناس.
وفي تضاعيف آيات القرآن الكريم نتلو الدعوة إلى اللجوء لحكم الله ورفض حكم الجاهلية: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [١]، كما نلاحظ التأكيد على
انحصار الحكم في الله سبحانه: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [٢].
ونجد في آية أخرى أن الله قد بعث الأنبياء ليحكم عن طريقهم بين الناس في اختلافاتهم: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .. [٣].
[١] سورة المائدة، آية: ٥٠.
[٢] سورة الأنعام، آية: ٥٧.
[٣] سورة البقرة، آية: ٢١٣ ..