من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧ - الشرك بين التبرير الثقافي والآثار الاقتصادية
نفوسهم، وضيق أفق التفكير عندهم، والآية تبصرنا بعدة حقائق
أولًا: أن الجهل بالله يجعل القلب متقلبا بين الغرور والقنوط، بينما الثقة بالله تتسامى بالقلب فوق النعم، فلا يبطر بها، والنقم فلا ييأس بسببها.
والقلب الجاهل بربه والمتطرف بين البطر واليأس هو الميت المنكر لله، المشرك به، إذ ترى صاحبه يهوى إلى درك التسليم لأصحاب الثروة والسلطة رجاء رفدهم، وخشية حرمانه.
ومن هنا تجد المؤمنين يدعون ربهم ألا يحوجهم إلى لئام خلقه، بل لا يبتليهم بالحاجة إلى غيره لكي لا تميل نفوسهم إلى غير الله، فيزعمون أنهم الرازقون لهم، جاء في رائعة مكارم الأخلاق
(اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَصُولُ بِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وأَسْأَلُكَ عِنْدَ الحَاجَةِ، وأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ عِنْدَ المَسْكَنَةِ، ولَا تَفْتِنِّي بِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِكَ إِذَا اضْطُرِرْتُ، ولَا بِالخُضُوعِ لِسُؤَالِ غَيْرِكَ إِذَا افْتَقَرْتُ، ولَا بِالتَّضَرُّعِ إِلَى مَنْ دُونَكَ إِذَا رَهِبْتُ، فَأَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ خِذْلَانَكَ ومَنْعَكَ وإِعْرَاضَكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) [١].
ولعل في هذا تكمن الصلة بين هذه الآية والتي سبقتها.
ثانياً: تمهد الآية للحديث عن الصورة المشرقة التي يتحلى بها المجتمع القائم على أساس التوحيد، والتباعد عن رجس الشرك. كيف ذلك؟
إن كثيرا من الخصال الرذيلة تأتي بسبب حالة الجزع عند البشر، فإنما البخل والغش والكسب الحرام كالربا وغيره من إفرازات شح النفس (الفرح القنوط).
كما إن فضيلة الإنفاق والكرم والعفة تأتي من الثقة بالله، وبأنه إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨].
وهكذا مهد السياق للأمر بالإنفاق، والنهي عن الربا، بمعالجة هذه الحالة البشرية.
ثالثاً: إن قلب المؤمن يعيش بين اليأس والرجاء، ولذلك يعيش التوتر الإيجابي الفاعل الذي يبعث أبدا نحو النشاط والسعي، بينما قلب المشرك يتطرف نحو الفرح، فيغله جمود الغرور والبطر، أو يتطرف نحو اليأس فيقعده القنوط عن السعي، وهل يتحرك من لا أمل له في النجاح!.
[٣٧] ما علاقة هذه الحقيقة بالتوحيد؟.
العلاقة هي أن المؤمن يعتقد بأن الرزق من الله، وأنه يبسطه لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء،
[١] الصحيفة السجادية: دعاء مكارم الأخلاق ومرضيِّ الأفعال.