من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧ - فأقم وجهك للدين حنيفا
سلطان الرب وملكوته وسائر أسمائه الحسنى.
ولأن لربنا المثل الأعلى فلا يمكن أن نقيس به شيئا فهو الأعلى مما نرى ومما لا نرى في السماوات والأرض، ولا يجوز إذا أن نشبهه بشيء أو نتوهمه أو نتصوره سبحانه، جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية
(الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَلَا يُوصَفُ وَلَا يُتَوَهَّمُ فَذَلِكَ المَثَلُ الأَعْلَى) [١].
[٢٨] يضرب ربنا سبحانه مثلا من واقع الجزيرة العربية، حيث كانوا يعيشون نظام السادة والعبيد فيخاطبهم: هل يقبلون أن يشاركهم عبد من عبيدهم ما يملكون فهم وإياه سواء، علما أنه وما يملك لهم؟!.
إذا كانوا لا يوافقون على هذا الاقتراح. فكيف يجعلون لله أندادا؟!.
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ متساوون في الشركة، وأكثر من ذلك ... تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كما هي عادة الشركاء يخاف بعضهم من بعض، فهل تخافون عبيدكم؟ كلا .. كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لأنه لا يعقل آيات الله إلا ذوو الألباب.
[٢٩] والحقيقة هي: أن الذين يشركون ليس يتبعون شريكا كرها، ولا يضلون عن الحق لغموضه أو لعدم قدرتهم على معرفته، بل لاتباعهم الهوى بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وعبادة الهوى هو جوهر الشرك، لأن المشرك إنما يتبع طاغوته خوف الذبح، ولا يخضع المشرك للغني إلا طمعا في ماله، فالمشكلة بالنسبة إلى المشرك هي حب الخلود والراحة.
والآية تذكرنا بأن الظلم أساس اتباع الهوى، وهو بدوره سبب الضلالة، ولعل ذلك يهدينا إلى دور الفساد في العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ودوره في ضلالة الإنسان.
فإذا كانت العلاقات القائمة بين أبناء البشر سليمة، ولم يكن بعضهم يظلم بعضا، لم تكن حاجة إلى اتباع الهوى.
كما تذكرنا الآية أن الهوى والعلم ضدان، فمن اتبع هواه رحل عنه العلم، ومن خالف هواه استضاء بنور العلم، والذي يتبع هواه بغير علم سوف يضله الله فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَ
[١] بحار الأنوار: ج ٥٥، ص ٣٠.