من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - الإحسان تكامل وهداية
من هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام حول الغناء ... أنه سئل عن كسب المغنيات فقال
(الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ حَرَامٌ والَّتِي تُدْعَى إِلَى الأَعْرَاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) [١].
(ولهذا فإن الغناء والموسيقى المطربة قد تجعل الأفراد منتشين أحيانا إلى حد يشبهون فيه السكارى، وقد لا يصل إلى هذه المرحلة أحيانا، ولكنه يوجد تخديرا خفيفا، ولهذا فإن كثيرا من مفاسد المخدرات موجودة في الغناء، سواء كان تخديره خفيفا أم قويا.
إن الانتباه بدقة إلى سيرة مشاهير الموسيقيين يبين أنهم قد واجهوا تدريجيًّا مصاعب وصدمات نفسية خلال مراحل حياتهم حتى فقدوا أعصابهم شيئا فشيئا، وابتلي عدد منهم بأمراض نفسية، وجماعة فقدوا مشاعرهم وساروا إلى دار المجانين، وبعضهم أصيبوا بالشلل والعجز، وبعضهم أصيب بالسكتة، حيث ارتفع ضغط الدم عندهم أثناء عزف الموسيقى) [٢].
[٧] ولا يمكن أن تنطفئ شعلة الهدى من قلب البشر بصفة كلية، بل لا بد من يبقى فيه وميض من نور العقل مهما تراكمت عليه الشهوات، هكذا أراد الله أن يقيم الحجة عليه أبدا من نفسه.
فبالرغم من وصول فرعون إلى قمة العناد، حيث ادعى الربوبية، ولكنه ما استطاع إطفاء الفطرة داخله، وإذا به يقول قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠]. بلى؛ يمكن للبشر أن يخالف فطرته في فكره وسلوكه، لذلك تجده يسعى جادا للانفلات من وخز ضميره، ويهرب من أسباب هدايته.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً عنادا منه، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ولم يقل لم يسمعها، وهذا دليل على الاختيار، فالإنسان هو الذي يختار بنفسه لنفسه أن لا يسمع نداء الفطرة ولا آيات ربه مع تمكنه من الاستماع لذلك كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً وهو الثقل في السمع أو الصمم، وهذا الوقر أو الحجاب بينه وبين الآيات يكون تارة بسبب الأفكار المسبقة، وتارة أخرى بسبب العوامل الآنية كالاستكبار، وعموما فإن المقاييس الخاطئة التي يعتمدها الإنسان في تقييمه للأفكار والأشخاص والأشياء هي السبب في النتائج الخاطئة فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
هناك قال ربنا مُهِينٌ؛ لأن جزاء الاستكبار في الدنيا الإهانة في الآخرة، حتى جاء في الحديث أن الله يحشر المستكبرين في صورة ذر يطؤهم الناس حتى ينتهي الحساب.
[١] الكافي: ج ٥، ص ١١٩.
[٢] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج ١٣، ص ٢٤- ٢٥.