من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٩ - هذا يوم البعث
ويقولون
(اللَّهُمَ عَظُمَ بَلائِي وَأَفْرَطَ بِي سُوءُ حَالِي وَقَصُرَتْ بِي أَعْمَالي وَقَعَدَتْ بِي أَغْلالي وَحَبَسَنِي عَنْ نَفْعِي بُعْدُ آمَالِي، وَخَدَعَتْنِي الدُنْيا بِغُرورِها وَنَفْسِي بِخيانَتِها وَمِطالِي يا سَيِّدِي) [١].
ويقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
(أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الهَوَى وطُولُ الأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ وأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَة) [٢].
كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ويصرفون عن الحق، ويزعمون أن الجزاء بعيد، أو أنه لا يأتي أبدا، والسؤال: من الذي يصرفهم عن الحق؟ الجواب: قد يكون الشيطان أو المجتمع الفاسد أو هوى النفس، وبالتالي أنى كان عامل الضلالة فإنهم لا يمكنهم أن يغيروا الواقع بتمنياتهم الحلوة، كلا .. الجزاء آت، وسوف يقولون عنده أنهم لم يلبثوا غير ساعة.
ولعل كلمة كَذَلِكَ هنا توحي بأن ضلالتهم في معرفة مدة لبثهم تشبه ضلالتهم في إبعاد فكرة الجزاء عن أذهانهم.
ومن هنا ينبغي أن يتضرع الإنسان إلى ربه ألا ينسيه الآخرة، وأن يقصر أمله بحسن العمل.
[٥٦] أما المؤمنون فإنهم على يقين من الآخرة، ويحذرون الحساب، ويشفقون من الساعة، ويسعون دائبين لاتقاء عذاب ربهم، فلذلك لا تفاجئهم الساعة، أوليسوا قد أعدوا عدتها، وتزودوا لرحلتهم إليها الزاد الأوفى؟
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لعل العلم هنا هو علم الساعة، بدليل قوله سبحانه في آخر هذه الآية وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ، أما الإيمان فهو التصديق لما يقتضيه العلم بالقول الصادق والعمل الصالح.
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ليس المهم المدة التي لبثتم خلالها، طالت أم قصرت، المهم أنكم بالتالي واجهتم ما هربتم منه بزعمكم.
ولعل التعبير ب فِي كِتَابِ اللَّهِ يشبه ما نقوله: (في الواقع)، أي أنه بعكس تمنياتكم بألا تأتي الساعة أو أن تطول المسافة بينكم وبينها لم يقع ما هوت أنفسكم، بل وقع ما أراد الله، وما أثبته في كتابه الذي هو مقياس الحق، وليس أهواءكم وتمنياتكم وما تشتهيه أنفسكم.
[١] اقبال الأعمال، لإبن طاووس، ص ٧٠٦. من دعاء كميل بن زياد.
[٢] نهج البلاغة: خطبة ٤٢.