من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا
والنَّجَاسَةُ مَعاً ومَوْقِعُهَا مِنَ الزَّرْعِ والبُقُولِ والخُضَرِ أَجْمَعَ المَوْقِعُ الَّذِي لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ حَتَّى إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الخُضَرِ لَا يَصْلُحُ ولَا يَزْكُو إِلَّا بِالزِّبْلِ والسَّمَادِ الَّذِي يَسْتَقْذِرُهُ النَّاسُ ويَكْرَهُونَ الدُّنُوَّ مِنْهُ واعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْزِلَةُ الشَّيْءِ عَلَى حَسَبِ قِيمَتِهِ بَلْ هُمَا قِيمَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ بِسُوقَيْنِ ورُبَّمَا كَانَ الخَسِيسُ فِي سُوقِ المُكْتَسَبِ نَفِيساً فِي سُوقِ العِلْمِ فَلَا تَسْتَصْغِرِ العِبْرَةَ فِي الشَّيْءِ لِصِغَرِ قِيمَتِهِ فَلَوْ فَطَنُوا طَالِبُوا الكِيمِيَاءَ لِمَا فِي العَذِرَةِ لَاشْتَرَوْهَا بِأَنْفَسِ الأَثْمَانِ وغَالَوْا بِهَا) [١].
إنك إذا سلمت للحق فسوف تبحث عنه، وحين تبحث عنه تجده، وإذا كانت الحاجة أم الاختراع، فإن الإحساس هو السبب الرئيسي للمعرفة، لأن الإنسان لا يعرف بالشيء إلا إذا أحس بالحاجة إلى معرفته، فمن لا إيمان له واكتفى بظنونه لا يحس بالحاجة إلى المعرفة، لأن الهوى موجود عنده أساسا فلا داعي للبحث عنه.
وفي الدرس ما قبل الأخير في سورة الروم نجد ربنا سبحانه يبين لنا بأن الإيمان هو البصيرة، فالكافر كالأعمى والأصم، بينما المؤمن هو البصير والسميع لا تحجبه حجب الهوى، ولا المسبقات الفكرية والعقد النفسية. إنه ينظر نظرة مجردة من التأطر بنظارة ملونة، سواء كانت هذه النظارة أفكارا جاهلية، أو نظرات سلبية وقاتمة عن الحياة كنظرات الذي يعيش الحزن والهم والكآبة، أو نظرات مغرقة في الغرور والتمني والتبرير.
فالمؤمن عادة ما يكون متفاعلا في الحياة، إذ إنه يرى الحياة كلها بصورتها الطبيعية، فهو يشكر الله على النعم، ويصبر في حال البلاء على النقم، فكلما رأى شيئا في الحياة شكر الله وحمده. لماذا؟
لأنه يرى أن النعم من الله سبحانه، بينما الكافر يتصور أن النعم من نفسه، فكلما أعطاه الله خيرا قال: هل من مزيد.
ومن نعم الله العظيمة: الرسالة التي حملها أطهر خلقه إلينا، و ما أخسر أولئك الذين أجرموا حين لم تنفعهم الرسالة، وطوبى للمؤمنين الذين نصرهم الله بما فرض على نفسه سبحانه من تأييدهم.
والرسالات تجل عظيم للرحمة الإلهية، كما السحب المباركة التي تروي الأرض وتملؤها خصبا ورزقا، وتملأ النفوس بشرى، بعد أن استبد بها اليأس والقنوط.
أفلا تنظر إلى الأرض تهتز وتربو، وتزهو بزرعها البهيج. إن ذلك من آثار رحمة الله،
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٣، ص ١٢١.