من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩ - فأقم وجهك للدين حنيفا
وأصل الفطرة الشق، وسمي الخلق فطرة ربما لأن الخلق يتم عادة بانشقاق شيء عن شيء، ومعنى فطرة الله هنا: الوحدانية، حيث إنها جزء من خلق الناس جميعا، وليس المؤمنون منه فقط، كما تعني نظم الخلقة وسننها التي هي قوام الكينونة البشرية الانسانية.
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ لعل معناها أن الإنسان لا يمكن أن يغير فطرته بالتربية أو التوجيه، وحتى الأعمال السيئة لا تغير فطرة البشر.
فأنت ومن يعاقر الخمر أو يقتل الآدميين في الفطرة سواء، صحيح أن الفطرة تنتكس، وتغطى بالذنوب إلا إن المذنب يشعر بذنبه، والكاذب يشعر بكذبه، والضال يعلم بخطئه، ولكن فطرتهم ضعيفة.
وهذه الفطرة الإلهية الثابتة أفضل دين يلتزم به البشر، ويتبعه، ويرى شخصيته فيه لأنه قيم لا عوج فيه، وتستقيم معه شخصية الإنسان وحياته ومجتمعه، بينما تتطرف سائر الأديان يمينا وشمالا، وتفسد ضمير البشر، وتمسخ شخصيته وتضيع حياته.
ونستوحي من هذه الكلمة أن الدين ضرورة إنسانية، يشعر القلب من دونه بفراغ كبير، إلا إن أغلب الناس يخطئون في نوع الدين الذي يعتنقونه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ونستنتج من هذه الآية أن طريق معرفة الدين الصحيح يتلخص في دليلين
الأول: هدى الله حيث يقول فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً.
الثاني: الوجدان فِطْرَةَ اللَّهِ.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مشكلة الناس أنهم لا يستفيدون من علمهم، لأنهم يتبعون أهواءهم، وعلينا ألا توحشنا قلة الديانين بدين الحق، أو كثرة الميالين إلى سبل الشيطان، ذلك لأن أكثر الناس هم الذين لا يعلمون.
[٣١] وليس هيّناً الاستقامة على الدين الحق، لأن دواعي الشهوة، ووساوس الشيطان، وضغوط المجتمع تميل بالإنسان عن طريق الحق، فلا بد إذن من الإنابة إلى الله دائماً، فكلما مالت أسباب الانحراف به شرقاً أو غرباً أناب إلى ربه، والتزم التقوى بتطبيق كافة الشرائع التي هي حصن التوحيد، وسور المعرفة، ومن أبرز معاني التقوى إقامة الصلاة، تلك الحصن المنيعة للإيمان، والسور الرفيع لعرفان الرب.
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ والفرق بين هذه الآية وما قبلها أن ما قبلها تأتي بصورة مفردة بتعبير فَأَقِمْ بينما في هذه الآية تأتي بصورة جمع، وذلك لأن الإنسان