من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - فأقم وجهك للدين حنيفا
اللَّهُ إن الله يضل الإنسان بالتخلية بينه وبين أسباب الضلالة، ويسلب منه علمه إذا لم يعمل بذلك العلم، وترك علمه إلى جهله، واتبع هواه، ولا يجد إذا من يهديه من دون الله.
ثم إن الإنسان يتبع هواه، ويطيع الأنداد، طمعا في نصرتهم، وبحثا عن القوة عندهم، ولكن الله يذكرهم بأنهم لا ينتصرون له إذا جاءه عذاب الله، إذ لا يقدرون على ذلك وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ في الدنيا والآخرة من الذين عبدوهم، ومالهم من شافعين.
وهذا يعني أن الإنسان يحتاج في حياته إلى شيئين: عقل يهديه، وقوة تنصره، فمن اتبع هواه فقد خسر العقل والقوة معا.
[٣٠] ثم يقول الله للإنسان: إذا أردت أن تعبد الله حقا، عليك أن تنحرف عن كل الضغوط، وبتعبير آخر عليك أن تكون حنيفا عن الشرك طاهرا نظيفا فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً الوجه أظهر شيء عند الإنسان، ولذلك يعبر به عن مواقفه وجهة سيره فيقال: توجهات فلان أي طريقته وسلوكه.
والقيام بمعنى الكمال، لأن الإنسان يكون في أفضل حالاته عند القيام، ولذلك يقول الذكر أَقِمْ الصَّلاةَ تعبيرا عن إتيانها بالوجه الكامل.
ويعبر الذكر هنا عن خلوص العمل بالدين عن شوائب الشرك ب فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ لأن مجرد قبول الدين لا يكفي، بل ينبغي تطبيق كل المواقف والسلوكيات والتوجهات مع شرائعه، ويؤكد ذلك قوله سبحانه حَنِيفاً أي طاهرا من رجس الشرك، ودنس الرذائل.
ولا يكون ذلك إلا بتحدي الضغوط.
فالحنيفية حقا أن تقدم ومنذ البداية على مخالفة المشركين، إنك إن تتبع الذين يضلونك بغير علم فأنت لست على طريق مستقيم، يجب أن تشق طريقك بنفسك، إلى حيث ..
فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا حيث الاستقامة. وهذا يعني أنك إذا كنت تواجه ضغوطا خارجية تدعوك لاتباع الطريق المنحرف فإن هناك ضغطا معاكسا في ذاتك يدعوك لاتباع الطريق المستقيم، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها، حيث قال الله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢- ١٧٣].