من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٠ - إنك لمن المرسلين
فَهُمْ مُقْمَحُونَ أرأيت الفرس حينما يسحب لجامه كيف يرفع رأسه؟ قالوا: إن ذلك هو المقمح، وهو لا يملك قدرة الرؤية، كما لا يستطيع الحركة.
[٩] ويمضي السياق في بيان شقاء هؤلاء الغافلين الذين سدت منافذ عقولهم (لعله بسبب الأغلال المكبلين بها) فأمامهم سد ومن خلفهم سد، وعيونهم محجوبة، فلا ينشطون للتحرك بسبب السدين، ولا هم يبصرون بأعينهم شيئا.
وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فلا يقدرون على التقدم، ولأمكنهم التراجع عن الغي، وهم قد أحيطوا بعقبات تصدهم عن السبيل بما اكتسبوا من آثام.
فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ لقد أحاطت بهم خطيئاتهم وغشيتهم فلا يبصرون أنهم محاطون بالسدود، ذلك أن الذنوب التي يرتكبها الإنسان تخلف آثارها على الواقع الخارجي، وتتحول إلى سدود أمام هداية البشر و سعادته. أرأيت الذي انتمى إلى حزب كافر، وعمل من أجل انتشار مبادئه الضالة، وتربية جيل من الناس عليها. هل يقدر على الخلاص منه؟! كلا .. بل يضحي مثله مثل دودة القز التي تصنع الشرنقة ثم تموت فيها، وهكذا الذي أعان ظالما حتى سيطر على البلاد. إنه يصبح أسير عمله، وكثيرا ما يسلطه الله عليه، و يقتل بسيف البغي الذي سله على الناس.
ولعل السدّين هنا إشارة إلى آثار الجرائم الخارجية، بينما الأغلال تشير إلى الآثار النفسية لها، حيث يزين الشيطان للنفس أعمالها حتى تغدو ملكات يصعب تجاوزها.
أما الغشاوة فهي الظلمات التي تحيط بالقلب، فينطفئ فيه الضمير، ويخبو نور العقل، ولا يحس البشر أنه واقع في المهلكة، بل قد يزعم أنه على صراط مستقيم.
[١٠] وعندما تتراكم الأغلال الغليظة حول القلب الغافل، وتحيط بصاحبه سدود الجريمة، وتغشاه ظلمات الجهل، يصل إلى الدرك الأسفل فلا ينتفع بالإنذار ويكون مثل قلبه مثل جسم مريض لا يستجيب للدواء، فلا يرجى شفاؤه.
وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إن هذه العاقبة السوأى تنتظر كل أولئك الذين يغفلون عن ربهم فيختطفهم الشيطان، ويسترسلون مع الأهواء والظروف حتى تحيط بهم أغلال العادة العصبية، والعزة بالإثم، وسدود النظام الفاسد اقتصاديا و سياسيا وثقافيا، وتغشاهم ظلمات الجهالة، ولا ينفعهم آنئذ الإنذار. وعلى البشر أن يتجنب الخطوة الأولى التي تقوده إلى الهاوية، لأنه كلما هبط أكثر كلما كانت جاذبية الهاوية أقوى.