من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٠ - بل هو الله العزيز الحكيم
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤]. فمعنى الشفاعة الحقيقي إذن هو ما تقدمت الإشارة إليه وهو ما تؤكده هذه الآية الكريمة. بأن يشعر الإنسان نفسه بالذنب، وبضرورة التوبة لله منه، وما يستلزم ذلك من انكسار القلب، وعقد العزم على عدم العود إليه، ثم المجيء للقيادة الرسالية أو من يجسدها والاستغفار عنده.
وبكلمة: هناك مفهوم للشفاعة يتخذه الإنسان غطاء لجرائمه، وتهربه عن مسؤولياته، وهي الشفاعة الشركية المرفوضة التي يزعم صاحبها أن أصنام السلطة والثروة وجنودهما قادرين على إنقاذه من غضب الرب لأنهم يشاركون الله في سلطانه تعالى الله عما يشركون.
وهناك شفاعة مسؤولة تبعث الإنسان نحو المزيد من المسؤولية والطاعة وهي التي يبينها القرآن في أكثر من مناسبة، والتي تعني دعاء الرسول والأئمة والصالحين بالمغفرة لمن أذن الله له بذلك، وهم المسلمون المطيعون لله وللرسول والأئمة بصفة عامة.
وإنما تبعث هذه الفكرة نحو المزيد من العمل لأنها تقاوم اليأس، وتزيد من طاعة القيادة الإلهية. عَنْ أَبِي العَبَّاسِ المُكَبِّرِ قَالَ: (دَخَلَ مَوْلًى لِامْرَأَةِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عليهما السلام عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام يُقَالُ لَهُ أَبُو أَيْمَنَ فَقَالَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ تُغْرُونَ النَّاسَ وَتَقُولُونَ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ فَغَضِبَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام حَتَّى تَرَبَّدَ وَجْهُه [١] ثُمَّ قَالَ عليه السلام
وَيْحَكَ يَا أَبَا أَيْمَنَ أَغَرَّكَ أَنْ عَفَّ بَطْنُكَ وَفَرْجُكَ أَمَا لَوْ قَدْ رَأَيْتَ أَفْزَاعَ القِيَامَةِ لَقَدِ احْتَجْتَ إِلَى شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ
صلى الله عليه واله
وَيْلَكَ فَهَلْ يَشْفَعُ إِلَّا لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ،
ثُمَّ قَالَ عليه السلام
مَا أَحَدٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ
صلى الله عليه واله
يَوْمَ القِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام
إِنَّ لِرَسُولِ الله
صلى الله عليه واله
الشَّفَاعَةَ فِي أُمَّتِهِ وَلَنَا شَفَاعَةً فِي شِيعَتِنَا، وَلِشِيعَتِنَا شَفَاعَةً فِي أَهَالِيهِمْ.
ثُمَّ قَالَ عليه السلام
وَإِنَّ المُؤْمِنَ لَيَشْفَعُ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَ مُضَر وَإِنَّ المُؤْمِنَ لَيَشْفَعُ حَتَّى لِخَادِمِهِ وَيَقُولُ: يَا رَبِّ حَقَّ خِدْمَتِي كَانَ يَقِينِي الحَرَّ وَ البَرْدَ) [٢]
. وعندما تغشاهم أفزاع القيامة تطير ألبابهم، وتزيغ أبصارهم، ولا يعودون إلى رشدهم إلا بعد أن يفرغ الله قلوبهم من الفزع، وهنالك يتساءلون: ماذا قال الرب؟ ويجاوبون: لقد قال الحق حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وحرف حَتَّى يدل على أن الفزع يستمر معهم إلى أن يفرجه الله عنهم، مما يدل على أن الشركاء لا يغنون عنهم شيئا.
وكلمة فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ تشبه قول العرب (قُرِّدَ البعير) إذا أخذ منه القراد، ويسمونه
[١] تغيير لونه.
[٢] تفسير القمي: ج ٢، ص ٢٠٢.