من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - بل هو الله العزيز الحكيم
وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٤٩- ٥١].
وهكذا كل من تعرض لضغط أولياء الشيطان عليه أن يتذكر الآخرة ليصمد أمامهم. وهذه التجلي الأول للثقافة التبريرية في الآيات؛ أي (الحتمية).
[٢٢] والتجلي التبريري الثاني الذي يعالجه هذا الدرس، هي (الشفاعة) التي تعني الاعتماد على قوى أخرى تنقذ الإنسان من نار جهنم كالأصنام، وقد أقحمت هذه الأفكار في المسيحية تحت عنوان الفداء، إذ كانوا في القرون الوسطى وإلى اليوم يذهبون للكنائس من أجل الحصول على صك الغفران.
ولا شك أن الاعتقاد بوجود منقذ غير الله يفرض على الله شفاعته صورة أخرى للشرك.
قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الشركاء، وخضعتهم لهم، وهم كما يبدو ثلاثة أصناف من الشركاء
الأول: أصحاب الثروة، الذي يظن الناس أنهم يرزقونهم، وأنهم لما يظهر لهم من ثروتهم وملكهم يشاركون الله في ملكه للحياة، والقرآن ينفي ملكيتهم ولو بمقدار الذرة المتناهية في الصغر لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ.
الثاني: أصحاب السلطة، والزعم بأن شخصا أو نظاما يشارك الرب في إدارة الخليقة، وتدبير شؤون السماوات والأرض، وينفي السياق ذلك بقوة وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ.
الثالث: وسائط القوة والثروة، من الجنود والخدم والوزراء، والقرآن ينفي أن يكون للأنداد شرك حتى بهذا القدر وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ.
[٢٣] وإنما كانت تعبد هذه الأصنام طمعا في شفاعتها وإن لم تملك شيئا، إذ يزعمون أن لها وجاهة عند الله. وينقض القرآن هذا الاعتماد فيقول وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الشفاعة هي الدعاء وما يترتب عليه، والله ليس مجبورا أن يستجيب لأحد دعاءه في حق نفسه أو في حق الآخرين مهما كان هذا مقربا عند الله، ويبين القرآن هذا المعنى في قول الله إلى حبيبه محمد صلى الله عليه واله إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠].
إذن لا مجال لفكرة الفداء في الرسالة الإلهية، بلى؛ إن الله شفيع للإنسان، ويقبل شفاعة الآخرين فيه حينما تكون عنده مؤهلاتها، حيث يقول ربنا سبحانه وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ