من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٥ - صورتان لحضارتين
أما الشكر فإنه دليل العلم، فالجاهل لا يرى أسبابا للنعم، ولا يفهم أن لكل ظاهرة حادثة عوامل، أوجدت بها، وتستمر معها، وبالتالي لا يبلغ إلى معرفة من أنعم عليه فلا يشكره، هكذا تتصل صفة الشكر والصبر بعالم المعرفة، وهكذا تزيد المعرفة بالشكر والصبر.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: إن عبرة هذه القصص هي الشكر والصبر.
فالقصص الأربع من حضارتي داود وسليمان، وحضارتي سبأ والقرى التي امتدت منها إلى مكة المكرمة، تلهمنا درس الصبر والشكر، فسليمان وداود عليه السلام إنما تقدمت حضارتهما، واستقامت إلى أجلها الطبيعي حينما صبرا وجدا في تأسيسها، وشكرا الله حفاظا لها من الزوال، أما الحضارتان الأخريان فدمرتا بنهاية غير طبيعية، لانعدام صفتي الصبر الذي يعبر عن الجد والاستقامة، والشكر الذي يجسد الاتصال الحقيقي بحبل الله، والمحافظة على أسباب الرقي، واللذان يعتبران روحا لأية حضارة.
وكلمة أخيرة: هل إن شبه الجزيرة التي استضافت الحضارات، والتي انبعثت فيها آبار النفط بالخير والبركة، سوف يستفيد أهلها وحكامها من قصص آبائهم، فتكون حضارتا داود وسليمان عليه السلام مثلا لهم، أم لن يعتبروا بتاريخهم، ولا يصبروا على دين الله ولا يشكروا له، فتكون الحضارتان الأخيرتان أمثولة لهم؟!.