من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٢ - صورتان لحضارتين
وقوله عز وجل جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ يكشف عن الطبيعة الجغرافية، ذلك لأنه يفهم من هذا التعبير وجود نهر يقسم البلاد إلى شطرين، ولعل هذا النهر يتصل بالسد حيث تفرغ المياه فيه ليحملها إلى الجنان التي على جانبيه.
وكان من المفروض أن تستفيد سبأ مما تنتجه الأرض، عارفين بأنه من عند الله، ثم يشكرونه.
كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ وقد أمر الله آل داود بذلك، فلما استجابوا وشكروا استمرت حضارتهم، حتى وافاها أجلها الطبيعي بموت سليمان، أما هؤلاء فلم يشكروه، مما أدى إلى اندحار حضارتهم.
والمجتمع حينما تكون مسيرته العامة الشكر لله مباشرة، أو الشكر للعباد قربة له، فإنه يصبح مجتمعا فاضلا خيرا، أو كما يعبر القرآن
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ لأنه يسير في ركاب الحق، أما بالنسبة للذنوب والأخطاء الجانبية فإنها لا تقضي على الحضارات، بالذات إذا لم يكن مصدرها التحدي والعناد، إنما يصلحها الله ويغفرها وَرَبٌّ غَفُورٌ.
[١٦] كانت هذه دعوة الله لهم ولا تزال تشمل البشرية جيلا بعد جيل، لكنهم رفضوها فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ والفاء تفيد العطف والتعقيب بلا فاصل، فالآية إذن تشير إلى سرعة التكذيب، كما تشير إلى سرعة الجزاء، وهذا يدل على أن حضارتهم لم تبق كثيرا، وربما دلت على أن حضارتهم مهما طالت فإن الله يختصر المسافة بين التكذيب والجزاء، فمهما عاشوا فهو قليل عند الله حقير.
يقول علي بن إبراهيم
(وَكَانَتْ لَهُمْ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ عَنْ مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فِيمَنْ يَمُرُّ لَا تَقَعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنِ التِفَافِهَا فَلَمَّا عَمِلُوا بِالمَعَاصِي وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَنَهَاهُمُ الصَّالِحُونَ فَلَمْ يَنْتَهُوا بَعَثَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ السَّدِّ الجُرَذَ وَهِيَ الفَأْرَةُ الكَبِيرَةُ فَكَانَتْ تَقْلَعُ الصَّخْرَةَ الَّتِي لَا يَسْتَقِلُّهَا الرَّجُلُ وَتَرْمِي بِهَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْهُمْ هَرَبُوا وَ تَرَكُوا البِلَادَ فَمَا زَالَ الجُرَذُ تَقْلَعُ الحَجَرَ حَتَّى خَرَّبُوا ذَلِكَ السَّدَّ فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى غَشِيَهُمُ السَّيْلُ وَخَرَّبَ بِلَادَهُمْ وَ قَلَعَ أَشْجَارَهُم) [١].
وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ وقد
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ١٩٩، بحار الأنوار: ج ١٤، ص ١٤٣- ١٤٤.