من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧١ - صورتان لحضارتين
خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ زَوَايَا قَصْرِهِ فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ سُلَيْمَانُ عليه السلام قَالَ لَهُ: مَنْ أَدْخَلَكَ إِلَى هَذَا القَصْرِ وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَخْلُوَ فِيهِ اليَوْمَ فَبِإِذْنِ مَنْ دَخَلْتَ؟.
فَقَالَ الشَّابُّ: أَدْخَلَنِي هَذَا القَصْرَ رَبُّهُ وَبِإِذْنِهِ دَخَلْتُ. فَقَالَ: رَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي فَمَنْ أَنْتَ؟. قَالَ: أَنَا مَلَكُ المَوْتِ. قَالَ: وَفِيمَا جِئْتَ؟. قَالَ: جِئْتُ لِأَقْبِضَ رُوحَكَ. قَالَ: امْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، فَهَذَا يَوْمُ سُرُورِي وَأَبَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ لِي سُرُورٌ دُونَ لِقَائِهِ.
فَقَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَصَاهُ فَبَقِيَ سُلَيْمَانُ عليه السلام مُتَّكِئاً عَلَى عَصَاهُ وَهُوَ مَيِّتٌ مَا شَاءَ اللهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَهُمْ يُقَدِّرُونَ أَنَّهُ حَيٌّ فَافْتَتَنُوا فِيهِ وَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ عليه السلام قَدْ بَقِيَ مُتَّكِئاً عَلَى عَصَاهُ هَذِهِ الأَيَّامَ الكَثِيرَةَ وَلَمْ يَتْعَبْ وَلَمْ يَنَمْ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ إِنَّهُ لَرَبُّنَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْبُدَهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ سُلَيْمَانَ عليه السلام سَاحِرٌ وَإِنَّهُ يُرِينَا أَنَّهُ وَاقِفٌ مُتَّكِئٌ عَلَى عَصَاهُ يَسْحَرُ أَعْيُنَنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَقَالَ المُؤْمِنُونَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ عَبْدُ الله وَنَبِيُّهُ يُدَبِّرُ اللهُ أَمْرَهُ بِمَا شَاءَ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا بَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الأَرَضَةَ فَدَبَّتْ فِي عَصَاهُ فَلَمَّا أَكَلَتْ جَوْفَهَا انْكَسَرَتِ العَصَا وَخَرَّ سُلَيْمَانُ عليه السلام مِنْ قَصْرِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَشَكَرَتِ الجِنُّ لِلْأَرَضَةِ صَنِيعَهَا فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا تُوجَدُ الأَرَضَةُ فِي مَكَانٍ إِلَّا وَعِنْدَهَا مَاءٌ وَطِين وَذَلِكَ قَوْلُ الله عَزَّ وَجَل
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) [١].
[١٥] ثم يضرب القرآن مثلًا آخر وذلك من تاريخ اليمن، كشاهد على الحضارة التي تموت فجأة وقبل أجلها الطبيعي، وسبأ التي يذكرنا بها القرآن قبيلة عاشت على الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، وكانت تتقلب في نعماء الله حتى بطرت معيشتها، فتكبرت عن الشكر له، ولم ترع العوامل المسببة للخير، فدمر الله سدها الذي تقوم عليه حضارتها الزراعية، فانهارت وبادت، وتبددت القبيلة حتى انقرض كيانها، فضرب به المثل العربي: (تفرقوا أيادي سبأ).
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وكان ينبغي لهؤلاء أن لا يقفوا عند الآية، إنما يستدلوا بها على الحقيقة التي تهدي إليها، وهي كما تبين آخر الآية معرفة رب النعم وهو الله، ومن ثم شكره لتزداد النعمة وتدوم، والملاحظ أن الله استخدم للتعبير عما فيه سبأ من النعيم كلمة مَسْكَنِهِمْ ولم يقل بيوت، ولعل المسكن هو البيت الذي يأوي إليه الإنسان مطمئنا مرتاحا ساكنا، بينما البيت هو محل المبيت، وربما أتاه الإنسان قلقا حزينا.
[١] بحار الأنوار: ج ١٤، ص ١٣٦.