من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٩ - وله الحمد وهو الحكيم الخبير
بالساعة تهربا من حقيقة الجزاء وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ وهكذا بهذه البساطة أرادوا التملص من ثقل المسؤولية، بيد أن ربنا الجبار قال لهم كلمته التي لا تبديل لها قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ وحين تعرضون أمام ربكم تعرفون أن كتاب ربكم قد احتوى كل صغيرة وكبيرة من أعمالكم عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
[٤] ويبين القرآن الهدف من الساعة، وبالتالي الهدف من التذكرة بالرقابة الإلهية على العباد، ألا وهو إثبات تحقيق العدل الشامل، الأمر الذي يستوجب الحساب الحق .. الذي لا يغفل عن أي شيء يصدر من البشر مهما كان صغيرا.
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فما دامت مسيرة المؤمن العامة هي الصلاح، فإن ما يشوبها من ذنوب بسبب غفلته، يفتديها الله بغفرانه، كما يثيبه على إيمانه وعمله الصالح بألوان الرزق الكريم، الذي يصفه الحديث بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر.
[٥] موقف المؤمن من آيات ربه هو التسليم الذي يسمو به إلى درجة رؤية الحق مباشرة، بينما موقف الكافر هو التمرد، ولكن كيف يرفض البشر المزود بالعقل الحقيقة التي تترى عليها شواهد لا تحصى؟ أو تقدر العين أن تنزوي عن أشعة الشمس بسهولة؟!.
كلا .. كذلك ليس من السهل أن يرفض الإنسان الحقائق الكبرى التي يذكر بها الوحي، كحقيقة المسؤولية إلا بصعوبات بالغة، لذلك فهم
أولًا: يسعون سعيا حثيثا- وببالغ الجهد- من أجل إثبات كفرهم الباطل، وإقامة الأدلة على ضلالتهم.
ثانياً: هدفهم من هذا السعي ليس إقناع أحد بالحقيقة، وإنما إسكات المؤمنين وإعجازهم بإثارة الشبهات حول الحقائق، كلما ردت لهم شبهة منها أعدوا شبهة جديدة مكانها، فهم لا يهدفون الاقتناع بحديث الطرف الآخر، ولا إقناعه لأنهم على باطل، وإنما يهدفون أن يخصموه مؤقتا، لكي لا تقتحم أدلة الحق رحاب قلوبهم.
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ وآيات الله هي شواهد صدق رسالاته، والتعبير ب (معاجزين) بالغ الدقة حيث الطرف الثاني (وهم المؤمنون) يحاولون إقناعهم أيضا، وبالتالي محاولة إعجازهم (إيصالهم إلى حد العجز عن الإدلاء بحجة جديدة) فكل طرف يحاول إعجاز