من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٧ - وله الحمد وهو الحكيم الخبير
بالإشارة إلى حديثه، وفي القرآن الحكيم نجد بيانا للموضوعات التي يفصلها السياق بعدئذ عبر ألفاظ مجملة، مما يدل على نزول الوحي من عند الله، إذ لا يقدر أحد على التحدث بهذا الإجمال والتفصيل، وبهذه الإحاطة غير الله.
وعند البحث عميقا في هذه السورة التي تبدأ بالحمد، نجد إشارات وتجليات لاسمي الحكيم والخبير، وحديثا عن جوانب من انعكاساتهما في الحياة، وهكذا تبدأ المعارف الإلهية والقرآنية كما الدين بذكر الله، وتنتهي إليه، وفي الحديث
(أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ) [١].
وهكذا تتركز المعرفة ثم تتسع وتعود بعدها لتتركز مرة أخرى. في البدء نتعرف على أن ربنا حميد وحكيم وخبير، ثم نفتش في الحياة وإذا بها تدلنا بما فيها من سنن وأنظمة على ذلك، والنظرة الكلية للحياة (الفلسفة العامة) يجب أن توفر للإنسان الإجابة على السؤال التالي: ما هي السنن والأنظمة العامة التي تسير الحياة؟.
وبتعبير آخر: إن الحكمة (الفلسفة) هي التي تبصرنا بحقيقة أنفسنا، وما يحيط بنا من الخلائق، وبما تحكمها من سنن ثابتة، وبالتالي تجعلنا قادرين على معرفة أفضل وعمل أصلح. وهذه الحكمة نجدها مفصلة في كتاب ربنا الحكيم، وأكثر آيات الذكر تبصرنا بتعابير ميسرة يستطيع أن يستوعب مضامينها حتى الطفل الصغير، وبشكل متكامل، فقوله الحمد لله الحكيم الخبير يشتمل على حقائق كثيرة في الحكمة العامة، لأنه يحدد بداية الكون ونهايته وهدفه، وأنه قائم على علم ونظام يتجليان في كل جزء وجزء منه، لأن خالقه هو الله الذي يملك السماوات والأرض حاضرا ومستقبلا مما يوجب علينا الحمد له في كل مكان وزمان.
والخبير هو المحيط بدقائق الأمور نظريا وعمليا، ومن مصاديق خبره أنه يحيط علما بكل ما يلج في الأرض وما يخرج منها حتى الغازات التي تمتصها الأرض أو التي تلفظها، يعلم الله وزنها وحجمها وطبيعتها، كما يحيط علما بكل ما ينزل من السماء وما يعرج إليها، وألطف ما يعرج هو النية الحسنة والعمل الصالح اللذان يرفعهما الله.
ثم يشير السياق إلى أحد تجليات الحكمة الإلهية، حينما يذكرنا بأن الله عادل في جزائه للناس، فالذي يعمل الصالحات يجازيه بالمغفرة والرزق الكريم، بينما يعذب الذين يعملون السوء برجز أليم.
[١] نهج البلاغة: خطبة ١.