من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٢ - إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
بينات من الآيات
[٦٣] يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ
تقف وراء هذا السؤال فكرتان
الأولى: استبعاد الإنسان بطبعه للجزاء، بالتسويف تارة، وبطول الأمل أخرى، فإذا بالشباب يتصور الموت بعيدا عنه، والشيخ يطول أمله بالبقاء أضعاف عمره، وربما مات الواحد بعد هذه التصورات بلحظة، فقامت قيامته [١] وما دام الأمر كذلك، والإنسان يجهل لحظة موته، فعليه أن لا يغتر بنفسه، وبماله، وعشيرته، لأنهم لا يغنون عنه شيئا يوم القيامة، ولا يدفعون عنه الموت في الدنيا، يقول أمير المؤمنين عليه السلام
(فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ وقَدَّمَ تَوْبَتَهُ وغَلَبَ شَهْوَتَهُ فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ وأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ والشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ يُزَيِّنُ لَهُ المَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا ويُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً وأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ) [٢].
وأسباب الموت كثيرة جدا، ومهما أبعدت أسبابا منها عنك فإن غيرها يلزمك ولأنه سنة جارية على الخلق.
الثانية: الزعم الخاطئ بأن على القيادة أن تعرف كل شيء، وكأنها المسؤول المباشر عن كل جزء من الدعوة، والواقع أنها تنتهي مسؤوليتها بإبلاغ الرسالة لتبدأ مسؤولية الناس، أما متى تكون الساعة، فليست الإجابة على ذلك من ضروريات القيادة ولا من مسؤولياتها، ذلك أنه يكفي للإنسان العلم بحصولها لكي تبدأ مسؤوليته تجاهها، كما يكفي الرسول والقائد مسؤولية بيان ذلك للناس، ثم إن علم الساعة مما يختص به الله عز وجل.
قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ولعل: تفيد الترجي، مما يدل على كفاية الاحتمال بقرب الساعة موعظة للإنسان، حتى يعمل بما يقتضيه هذا العلم، إيمانا وعملا وتسليما للقيادة.
[٦٤] ولكن الكافرين يبحثون عن مبرر لكفرهم بالساعة، مهما كان سخيفا وخارجا عن حدود الموضوعية، ولكن هل يدفع ذلك العذاب عنهم؟ كلا .. فقد أبعدهم الله عن رحمته، وأعد لهم سعيرا.
[١] إشارة للحديث المروي عن النبي صلى الله عله واله: «
مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ
». بحارالأنوار: ج ٥٨، ص ٧.
[٢] نهج البلاغة: خطبة ٦٤.