من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٦ - وما بدلوا تبديلا
العقبات والمشاكل أمامهم كلما فجروا طاقاتهم، وسدوا ثغراتهم، واستعدوا لمواجهتها، كما إنهم عند المصاعب يكتشفون أنفسهم، والطاقات التي أودعها الله فيهم، ويستثمرون كل ذلك في سبيل الانتصار على الأزمات والتحديات.
[٢٣] ثانياً: إنهم لا يفكرون في أنفسهم كأفراد، إنما كقيم وكجماعة وكأمة، فلا يفكر أحدهم في ذاته.
إنه ربما يقتل في المعركة، إنما يقول: إذا قتلت فسوف يأتي الآخرون ويتابعون مسيرتي (فالمهم عنده أن تنتصر القيم، لا أن ينتصر هو نفسه) وإذا بقيت فسوف أرث الشهداء الذين أريقت دماؤهم في هذا الطريق، وأتابع دربهم، وأفي بحقوقهم، فأنا مسؤول أمام الله عما أرثه من دماء الشهداء. فشعور المؤمن إذن شعور اجتماعي لا فردي.
مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وصار شهيدا في سبيل الله، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ لقاء الله ويستعد له، فالمؤمنون متماسكون كالبنيان المرصوص، بعضهم يمضي ويبقى البعض الآخر ليكمل مسيرته، دون أن يفكر أحدهم في نفسه وشهواته، ويقول لماذا أنا الذي أقتل وليس فلان؟ ولماذا أنا الذي أقتل ويبقى فلان يتنعم بالنصر والمكاسب؟ كلا .. فالقضية قضية صراع مستمر كل واحد يؤدي دورا معينا فيه، والمجموع الكلي هو المهم عندهم جميعا. وهذا نابع من اعتقاد المؤمنين بأنهم باعوا أنفسهم لله، فهم لا يملكونها، ولا يحق لهم أن يفكروا في مصالحها، إنما يتصرف فيها ربهم وقائدهم حسبما تقتضيه القيم الإلهية، فهم مسلمون الأمر لله ولقيادتهم، وهذا الإيمان هو الذي يبعث فيهم الاستقامة والصمود في الطريق وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
[٢٤] وبعد هذا العرض الصريح والمختصر لجانب من صفات المنافقين وبعدهم المؤمنين، يشير السياق القرآني إشارة إلى جزاء كل من المؤمنين والمنافقين إذ يقول لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ ولكن ليس بانتمائهم الاجتماعي الظاهر لحزب المؤمنين، بل بعملهم الذي يتجانس مع تسميتهم وانتمائهم الحقيقي بِصِدْقِهِمْ وتعالى الله أن تختلط عليه الأوراق، بلى؛ نحن البشر قد تغرنا المظاهر، فنسمي أنفسنا أو الآخرين بالصادقين، لمجرد حضورهم في تجمع مؤمن، ولكن الله وهو عالم الغيب ورب العالمين لا يعزب عنه مثل ذلك.
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ بنفاقهم في كلامهم وعملهم، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إذا صححوا مسيرتهم، وعادوا عن النفاق إلى الإيمان، إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً فهو يقبل التوبة الصادقة، لأنه لم يخلق الناس ليعذبهم، بل ليرحمهم كما في الآيات والأحاديث.