من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٥ - وما بدلوا تبديلا
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
[٢٢] و بعد ذلك يثنى السياق على أهم صفات المؤمنين، والتي تناقض صفات المنافقين وأهمها
أولًا: أنهم لا تكسرهم الأزمات، ولا ينهزمون أمام الصعوبات مهما كانت، فهم يعرفون بأن ذلك كله من طبيعة طريقهم (ذي الشوكة) فكلما رأوا المصاعب تتزاحم في طريقهم كلما ازدادوا يقينا بصحة طريقهم، وتسليما لربهم وقيادتهم.
ولعل المؤمن يبحث عن ساعة حرجة يجرب فيها نفسه (إيمانه وإرادته) وبالتالي يظهر فيها كفاءاته الرسالية الحقيقية لوجه الله وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ لم ينهزموا كما فعل المنافقون، بل ازدادوا يقينا بخطهم قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
ومن هذا نستفيد أن التربية الرسالية السليمة هي التي تصارح الإنسان بطبيعة المسيرة، وأنها محفوفة بالمخاطر على صعيد الدنيا، مما يساعد الفرد على الاستقامة حين الأزمات والمصاعب، لأنها حينذاك لن تكون مفاجئة له، بل سيعتبرها أمرا طبيعيا وقد استعد لها فهي مما تزيده تثبيتا على طريقه، لهذا كان المؤمنون يزدادون إصرارا على مواصلة الدرب برغم الواقع الصعب حيث كان العدو قد جمع لهم، وجاء لحربهم بكل قوته، وبرغم الحرب النفسية التي كان يشنها المنافقون ضدهم. وحين يرى المؤمنون الصعوبات والأزمات وقد وعدهم الله ورسوله بها يتيقنون بالفرج لأنهم وعدوا به أيضا، وتحقق الوعد الأول يدل على تحقق الآخر قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ردا على المنافقين، وإخمادا لأهواء النفس.
ألم يعدهم الرب سبحانه بالمواجهة التي تنتهي بالنصر المؤزر، إن أعظم عامل للصمود في الظروف الصعبة التنبؤ بها، والاستعداد النفسي مسبقا لمواجهتها، وها هم المؤمنون في هذا المستوى، وكما النار تفتتن الذهب، وكما المبرد يلمع زبر الحديد، كذلك مواجهة المشاكل تستخرج معدن المؤمن الصافي، وتجلي نفسه من أدرانها، هكذا زادت الحرب مع الأحزاب إيمانهم وتسليمهم وَمَا زَادَهُمْ تجمع الأحزاب، وتخذيل المنافقين وتوهينهم إِلَّا إِيمَاناً بالله، ورسالاته، والصراط المستقيم الذي هم عليه وَتَسْلِيما لربهم وقيادتهم، وحينما ندرس حياة الشعوب نجدها نوعين: فبعضها حينما يتعرض للضغوط والتحديات ينهار، والبعض الآخر- على العكس تماماً- يزداد قوة وثباتا، وتحديا، ويعود هذا الاختلاف لنوعية الثقافة التي يؤمن بها ويمارسها كلا النوعين. فبينما يمارس النوع الأول ثقافة التخاذل، يمارس النوع الثاني ثقافة التحدي، والمؤمنون الحقيقيون هم الذين يتمسكون بثقافة التحدي، فإذا بهم كلما تراكمت