من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٤ - وما بدلوا تبديلا
بينات من الآيات
[٢١] يدعي بعض المنافقين أنهم قادة، وأن من صفات القائد في تصورهم أن لا يدخل المعركة ولا يضحي بنفسه، بل يجلس بعيدا عن الصراع ليصدر الأوامر فقط، لكن القرآن يؤكد بأن القيادة الحقيقية تتمثل في رسول الله صلى الله عليه واله وأن حياته يجب أن تكون نموذجا لنا نقتدي به، والسبب أنه كان الأمثل في كل حقل فهو الأشجع والمقدام في الحروب، وصورة مناقضة للمنافق فهو يعمل أولًا ثم يأمر الناس، وكان الإمام علي عليه السلام المعروف بشجاعته وإقدامه يقول عنه
(كُنَّا إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ وَلَقِيَ القَوْمُ القَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ الله
صلى الله عليه واله
فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى العَدُوِّ مِنْهُ) [١].
وإذا قرر الحرب كان أول من يلبس لامتها، فبعد أن وضعت حرب الخندق أوزارها، وعادت قريش أدراجها منهزمة، عاد الرسول إلى بيته- وكان الوقت بعد الظهر- فوضع الحرب واستحم لصلاة العصر، وقبل الدخول فيها نزل عليه جبرائيل عليه السلام وقال له: يا محمد! وضعت لامة الحرب ونحن (أي الملائكة) لم نضعها؟!، فعرف النبي أنه يجب أن يبادر لحرب بني قريظة الذين ساعدوا كفار قريش في حرب الخندق، ونقضوا بذلك عهدهم مع الرسول صلى الله عليه واله فسرعان ما لبس لامة حربه وقال للمسلمين: لا نصلي العصر إلا في بني قريظة، فمشى المسلمون إلى هناك، وحاصروا قلاعهم خمسة وعشرين يوما، إلى أن استسلموا وعاد المسلمون إلى المدينة، وهكذا كان الرسول هو السباق إلى الخيرات، كما كان القمة السامقة في كل فضيلة ومكرمة، فهو الذي يجب التأسي والاقتداء به لا المنافقين.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ولكن هل يتمكن من الاقتداء بالرسول كل أحد. كلا .. بل الذي ارتفع بإرادته وروحه وسلوكه عن حطام الدنيا، وتطلع إلى الآخرة.
لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ أما الذي يكون هدفه شهواته أو زينة الدنيا، فإنه لا يستطيع الاقتداء بالرسول صلى الله عليه واله الذي أخلص نفسه ووجهه لله، وزهد في درجات هذه الدنيا الدنية، وزخرفها وزبرجها.
أما الصفة الأخرى لمن يتبع الرسول فهي: تذكر غايته الأساسية وهي رضوان الله، والاستقامة عليها، وحين يعرف الإنسان وجهته يعرف- بوضوح- سائر أهدافه، وتتوضح له استراتيجياته ومعالم سلوكه، إذ يجد المعيار السليم لمعرفة كل ذلك. وهكذا يعطي ذكر الله ضمانة للإنسان حتى لا ينحرف عن أهدافه التي تجمعها كلمة واحدة هي رضوان الله
[١] بحارالأنوار: ج ١٦، ص ٢٣٢.