من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٧ - ولا يأتون البأس إلا قليلا
يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ خارجون إلى (البدو) في الصحراء فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ليعرفوا مصير المعركة حتى يتكيفوا معه، فهم لا يصنعون الأحداث بل يتقلبون معها وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا مما يدل على أن المنافقين ينهزمون نفسيا بتلك التمنيات، وعمليًّا بالفرار من بين المسلمين حفاظا على حياتهم، ولو لم يحالفهم الحظ بالفرار والهزيمة ما كانوا يؤثرون في المعادلة أبدا، لأنهم غير مستعدين للتضحية ولا للقتال المستميت.
وتدل هذه الآية مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا على أحد معنيين
الأول: أنهم لو كانوا في المسلمين لم يقاتلوا الأحزاب- على افتراض عودتهم- لأنهم يبحثون عن المعارك التي يكون فيها العدو ضعيفا وقليلا، بحثا عن المغانم حيث يكون النصر فيها للمسلمين، وحتى في هذه الحالة فإنهم لا يؤدون دورا أساسيا، ولا يدخلون قلب المعركة.
الثاني: أنهم لو صادف مجيء الأحزاب للقتال مرة ثانية، ولم يتمكنوا من الفرار فإنهم لن يؤدوا مهمات خطرة في القتال، بل سيكتفون بالأدوار الهامشية التي لا تكلفهم شيئا من التضحية، كما إنها تحافظ على شخصياتهم ومكانتهم في المجتمع المسلم.
قصة غزوة الخندق
وهذه النفوس المريضة أظهرتها ساعة الأزمة في غزوة الخندق، التي نصر الله فيها الأمة الإسلامية نصرا عزيزا، وكانت في أيام نشأتها، والله يذكرنا بهذه الغزوة حتى نستفيد عبرا منها، ويذكرنا بالنصر تذكيرا للأمة بأن ميلادها كان رهين تلك الحروب وبأولئك الأبطال الذين خاضوها، وعلى سواعدهم جاء النصر.
ومع أن الأمة واقع قائم الآن إلا إنها لا تستطيع أن تنكر فضل أولئك الرواد الأوائل الذين ساهموا في صناعة الأمة وحافظوا على كيانها، لذلك يجب أن تبقى قصة غزوة الخندق وسائر الحروب التي شهدتها الأمة في بداية انطلاقتها وفي أيام مخاضها راسخة في ذاكرة كل فرد من أبنائها.
والإنسان يتأثر بالتاريخ فهو ابن له، وهو ينعكس عليه بصورة ما، فإذا عرف تاريخه معرفة حسنة وسليمة، وعرف محيطه بجميع أبعاده فإن أخطاءه سوف تقل، أما لو كانت رؤيته للتاريخ غامضة أو ناقصة فإن حياته ستكون مليئة بالأخطاء، ولذلك يذكر القرآن بهذه القصص والعبر التي خلفتها لنا أحداث التاريخ، ونحن- بدورنا- نثبت هنا بعض ما جاء في السيرة من تاريخ الواقعة.