من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٨ - وكانوا بآياتنا يوقنون
ويحتاج إلى اليقين حتى يزول هذا الشك، ذلك أن مراحل العلم عند الإنسان هي التالية
الأولى: المعرفة، فالإنسان يعرف أن للكون خالقا مدبرا ولكنه يبقى مشككا.
الثانية: الإيمان، حيث يسيطر العقل في معركته مع الهوى فتتبعه الإرادة، ولكن دون أن ينتهي الشك والهوى عنده، بل يبقى لهما أثر معنوي لا فعلي، فتجد إنسانا ما يشكك نفسه فيها، لكنه يستمر يؤديها، ويلتزم بها ظاهريا بأفعالها وأذكارها، فهذا الرجل مؤمن أي أن نفسه سلمت لعقله تسليما عمليا.
الثالثة: اليقين، حين يزول الشك عن قلب الإنسان، ويبقى مسلما عمليا ونفسيا تسليما محضا للمعرفة، ولليقين بدوره درجات ثلاث هي: اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين، التي إذا وصلها الإنسان حق له أن يقول كما قال الإمام عليه السلام
(لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينا)
[١]. أو كقوله عليه السلام
(إِلَهِي مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ عِقَابِكَ وَلَا طَمَعاً فِي ثَوَابِكَ وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُك) [٢].
أما كيف يحصل الإنسان على اليقين، فإن ذلك يكون بالمزيد من النظر إلى آيات الله والتفكر فيها، لأن هذه الآيات إشارات ظاهرية إلى الحقائق الكبرى في الحياة، والتفكر السليم هو الذي يعبر بالإنسان من خلال هذه الآيات إلى الحقائق، ذلك أن النظرة التي تنقل الإنسان إلى اليقين هي النظرة العبرية لا الشيئية، والتي يمتزج فيها بصر الإنسان مع بصيرته وعقله.
في البداية يجعلك التفكر تؤمن بربك، وشيئا فشيئا يتحول هذا الإيمان إلى يقين، ومنه إلى أعلى درجاته. وفي الحديث
(طُوبَى لِمَنْ كَانَ نَظَرَهُ عِبْرَةً وَسُكوتُهُ فِكر) [٣].
وبالإضافة إلى ما تعطيه هذه النظرة من اليقين، فإنها تعطي الصبر كثمرة لهذا اليقين، ذلك أن الذي يطمئن للعاقبة الحسنى، التي يوصل إليها طريق الحق، يصبر على عقبات الطريق، والمؤمن يصبر على الصعاب بسبب يقينه مما يجعله أهلا لإمامة الحق التي تقابل أبدا إمامة الباطل.
بينات من الآيات
[٢٢] الإنسان مزود بفطرة الإيمان بالله، إلا إنه ينسى أو يغفل بسبب الشهوات أو الأفكار المضلة، وإذ يبعث الله الرسل ومن يتبع نهجهم إلى البشر لتذكيرهم، وإزالة الحجب
[١] بحار الأنوار: ج ٦٦ ص ٢٠٩.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٧، ص ٢٣٤.
[٣] ثواب الأعمال: ص ١٧٧.