من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٦ - الذي أحسن كل شيء خلقه
رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج ٤٧]، وعموما فإن في الآية إشارة إلى حقيقة التكامل في الخلق اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يتطور خلالها الخلق يوما بعد آخر.
بالإضافة إلى دلالة هذه الآية على نظرية التكامل الإسلامية، فإنها تدل على دور الزمن في واقع الأشياء، إذ هو جزء منها، وهذا ما نستوحيه من عدة آيات قرآنية من بينها قوله تعالى مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الأحقاف ٣]، أي وبأجل مسمى، ولعل الباء المحذوفة هنا هي نفسها التي في كلمة بالحق وتعني الاستعانة.
وإذ خلق الله الخلق لم يتركه سدى كما تدعي ذلك اليهود، مستوحية من النظريات الفلسفية البائدة، بل هيمن عليه بتدبيره.
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا وهو تعبير عن القدرة والهيمنة. ومادام الكون خلق بإرادة الله، ويدبر بمشيئته فلابد أن نتوجه إليه ونعبده، لأنه لا أحد يقف دون تنفيذ إرادته، و إجراء قضائه.
لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ هذه الحقيقة مغروزة في فطرة الإنسان، وآياتها مبثوثة في الخليقة، ولكن ينساها البشر مما يجعله محتاجا إلى التذكرة.
[٥] ثم تؤكد الآيات هيمنة الله على الخلق، وتدبيره له من مراكز أمره في السماء
يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ أي يجعله محددا، وكلمة تدبير مأخوذة من الدبر أي النهاية، وتدبير الأمور أي معرفة عواقبها، وما تؤول إليه.
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ حينما يتدبر الأمر لا يعني أنه انتهى، بل إن أي عمل يقوم به الإنسان يحدده الله ثم ينتهي إليه عندما يكتسبه العبد. ونستوحي من هذه الآية أن كل شيء في هذا الكون لا ينعدم، فالكون يشبه الشريط السينمائي وهو يتحرك مع الزمن، وما نعتقد أنه حدث وانتهى ليس كذلك، فهو موجود في هذا الشريط، ويعود يوم القيامة. قال تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء ١٠٤].
والآية هنا صريحة في أن مقدار يوم القيامة ألف عام، بينما نجد في آية أخرى أن مقداره خمسين ألف سنة، لماذا؟ لعله لأن ساعات يوم النشور خمسون، ويدبر الله في كل ساعة أمرا، وأن عروج الأعمال إليه إنما يتم في ساعة واحدة منه، بمثل هذا جاءت رواية مأثورة عن الإمام