من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٤ - الذي أحسن كل شيء خلقه
هدى من الآيات
تذكرنا الآيات هذه بأن الرب الذي يجب أن يسجد له من في السماوات والأرض، هو الله رب العرش، وأن ما يعبد من دونه ليس سوى أوهام وأساطير ابتدعتها أفكار الناس، وأن القرآن كتاب حكيم لا ريب فيه لأنه من عند الله، ولكن لماذا يقول القرآن عن نفسه لا رَيْبَ فِيهِ؟.
الجواب: إن الشك نوعان
الأول: ينبعث من العقل لعدم توفر الحجج والآيات الكافية.
الثاني: ينبعث عن هوى الإنسان بسبب كبره أو حجب الغفلة التي تعمي قلبه، لذلك نجد القرآن يقول في إحدى الآيات عن الكفار فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة: ٤٥] ناسبا الشك إلى الكفار أنفسهم، أما القرآن ذاته فهو لا ريب فيه، لأنه صورة أخرى لعقل الإنسان المحض والمجرد عن المؤثرات السلبية، كما أن العقل هو الآخر صورة باطنية للقرآن، وإذ يثير الوحي الإلهي عقل البشر فإن هذا العقل يؤيد حقيقة القرآن، للتطابق التام بين الذي يذكره القرآن وبين العقل البشري، ولذلك تتكرر في الآيات كلمة لا رَيْبَ فِيهِ.
ثم يستمر السياق في الحديث عن القرآن نفسه، مؤكدا بأنه لا يمكن أن يكون افتراء كما يتقول البعض، لأن هدف القرآن هو إنذار الناس وهدايتهم للحق، ولا يمكن أن يتحقق الهدى بالكذب، كما إن القرآن ليس مجردا عن الأدلة والبراهين حتى يكون موضعا للريب والشك، ومن أنصع الأدلة أن الكاذب إنما يكذب لمصلحة نفسه، ونحن لا نرى من جاء بالقرآن وهو الرسول صلى الله عله واله يدعو إلى نفسه أبدا بل إلى ربهم، وهذا دليل على صدق الرسل، بل والدعوات الاجتماعية التي تأخذ هذا المنحى وتتبع منهج الرسل، والتي تتمحور حول العقل وعبادة الله فهي الصادقة، وأنصارها هم الصادقون، أما الدعوات التي تنتهي إلى الأشخاص لا إلى القيم، وتعتمد غير الله هدفا وغاية فهي خاطئة، وأنصارها كاذبون.
والأنبياء من أول نظرة إليهم يعرفون بأنهم إنما جاؤوا من عند الله، فالرجل الذي يلبس الخشن، ويأكل الجشب، ولا يجمع من حطام الدنيا شيئا، ولا يدعو الناس إلى نفسه، ويتحمل كل الأذى من أجل خير الناس ليس أنانيا، إنما يضحي لإيمانه فهو صادق لا ريب فيه.
ثم يذكرنا القرآن بخلق السماوات الذي تم في ستة أيام، مثنيا بخلقة الإنسان التي تمت على مرحلتين
الأولى: خلقه من الطين.