الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩١ - أبو دهبل و عاتكة بنت معاوية
عاتكة إنشادا و غناء؛ فضحكت و أعجبتها و بعثت إليه بكسوة، و جرت الرسل بينهما. فلما صدرت عن مكة خرج معها إلى الشأم و نزل قريبا منها، فكانت تعاهده بالبرّ/ و اللّطف [١] حتى وردت دمشق و ورد معها، فانقطعت عن لقائه و بعد من أن يراها، و مرض بدمشق مرضا طويلا. فقال في ذلك:
طال ليلي و بتّ كالمحزون
و مللت الثّواء في جيرون [٢]
و أطلت المقام بالشأم حتى
ظنّ أهلي مرجّمات الظّنون
فبكت خشية التفرّق جمل
كبكاء القرين إثر القرين
/ و هي زهراء مثل لؤلؤة
الغوّاص ميزت من جوهر مكنون
و إذا ما نسبتها لم تجدها
في سناء من المكارم دون
ثم خاصرتها إلى القبّة الخض
راء تمشي في مرمر مسنون [٣]
قبّة من مراجل [٤] ضربوها
عند برد الشتاء في قيطون
عن يساري إذا دخلت من البا
ب و إن كنت خارجا عن يميني
و لقد قلت إذ تطاول سقمي
و تقلّبت ليلتي في فنون
ليت شعري أ من هوى طار نومي
أم براني الباري قصير الجفون
قال: و شاع هذا الشعر حتى بلغ معاوية فأمسك عنه؛ حتى إذا كان في يوم الجمعة دخل عليه الناس و فيهم أبو دهبل؛ فقال معاوية لحاجبه: إذا أراد أبو دهبل الخروج فامنعه و اردده إليّ؛ و جعل الناس يسلّمون و ينصرفون، فقام أبو دهبل لينصرف؛ فناداه معاوية: يا أبا دهبل إليّ؛ فلما دنا إليه أجلسه حتى خلا به، ثم قال له: ما كنت ظننت أنّ في قريش أشعر منك حيث تقول:
و لقد قلت إذ تطاول سقمي
و تقلّبت ليلتي في فنون
ليت شعري أ من هوى طار نومي
أم براني الباري قصير الجفون
غير أنّك قلت:
و هي زهراء مثل لؤلؤة الغوّاص ميزت من جوهر مكنون
و إذا ما نسبتها لم تجدها
في سناء من المكارم دون
و و اللّه إنّ فتاة أبوها معاوية و جدّها أبو سفيان و جدّتها هند بنت عتبة لكما ذكرت؛ و أيّ شيء زدت في قدرها! و لقد أسأت في قولك:
[١] اللطف: الهدايا.
[٢] جاء في «الأغاني» (ج ١٣ ص ١٤٩ طبع بولاق) أن قائل هذا الشعر هو عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في أخت معاوية. و جاء هذا الشعر في «الكامل» للمبرد منسوبا لأبي دهبل. ثم قال بعد ذلك: و أكثر الناس يرويه لعبد الرحمن بن حسان. ثم ساق خبر هذا الشعر في قصة تخالف قصة «الأغاني»، فانظره (ص ١٦٨ طبع أوروبا). و جيرون: حصن بدمشق، و قيل: هي دمشق نفسها.
[٣] المسنون: المصبوب على استواء.
[٤] المراجل: ثياب من ثياب اليمن. و القيطون: البيت في جوف البيت.