الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧ - سبق سليمان بن عبد الملك بين المغنين ببدرة فأخذها ابن سريج
بحزن ما أزال له مديما
كأنّ القلب أسعر حرّ جمر
على بكر أخي ولّى حميدا
و أيّ العيش يحسن بعد بكر
- غنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. و غنّى فيه ابن عبّاد الكاتب و لحنه رمل بالوسطى عن الهشاميّ- قال خالد: فقال لي الوليد: أعد يا صام فأعدت؛ فقال: من يقوله ويحك؟ قلت: ابن أذينة؛ قال: هذا و اللّه العيش الذي نحن فيه على رغم أنفه، لقد تحجّر [١] واسعا. قال عبد الرحمن بن عبد اللّه قال عبد اللّه بن أبي فروة: و أنشدها ابن أذينة ابن أبي عتيق؛ فضحك ابن أبي عتيق و قال: كلّ العيش يحسن حتى الخبز و الزيت؛ فحلف ابن أذينة لا يكلّمه أبدا؛ فمات ابن أبي عتيق و ابن أذينة مهاجر له.
أنشدت سكينة بنت الحسين شعر ابن أذينة فاعترضت عليه
: أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال: بلغني أن سكينة بنت الحسين رضي اللّه عنها أنشدت، و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير عن مصعب قال: أنشدت سكينة، و أخبرني الحسين بن يحيى عن عبّاد عن أبيه عن أبي يحيى العباديّ:
أنّ سكينة أنشدت أبيات عروة بن أذينة في أخيه بكر؛ فلما انتهت إلى قوله:
على بكر أخي ولّى حميدا
و أيّ العيش يحسن بعد بكر
قالت سكينة: و من أخوه بكر! أ ليس الدّحداح [٢] الأسيّد القصير الذي كان يمرّ بنا صباحا و مساء؟ قالوا: نعم؛ قالت: كلّ العيش و اللّه يصلح و يحسن بعد بكر حتى الخبز و الزيت.
سبق سليمان بن عبد الملك بين المغنين ببدرة فأخذها ابن سريج
: أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا يزيد بن محمد المهلّبيّ عن إسحاق قال:
قدم سليمان بن عبد الملك المدينة، فجمع المغنّين و سبّق [٣] بينهم ببدرة، و قال: أيّكم كان أحسن غناء فهي له؛ فاجتمعوا. فبلغ الخبر ابن سريج، فجاء و قد أغلق الباب؛ فقال للحاجب: استأذن لي؛ قال: لا يمكن و قد أغلق الباب، و لو كنت جئت قبل أن يغلق الباب لاستأذنت لك. قال: فدعني أغنّ من شقّ الباب؛ قال نعم. فسكت حتى فرغ جميع المغنّين من غنائهم ثم اندفع فغنّى:
سرى همّي و همّ المرء يسري
فنظر المغنّون بعضهم إلى بعض و عرفوه؛ فلما فرغ قال سليمان: أحسن و اللّه! هذا و اللّه أحسن منكم غناء، أخرج يا غلام إليه بالبدرة، فأخرجها إليه.
[١] تحجر واسعا: ضيقه.
[٢] الدحداح: القصير الغليظ البطن. و الأسيد: تصغير الأسود.
[٣] يقال: سبق البدرة بين الشعراء، من غلب أصحابه أخذها، أي جعلها سبقا بينهم (انظر «أساس البلاغة» و «شرح القاموس» مادة سبق. و في س: «سابق».