الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٤ - أخبار عبد الله بن علقمة و تعشقه حبيشة
ثم أتاها عبد اللّه بن علقمة ليرجعها إلى منزلها، فوجد حبيشة قد زيّنت لأمر كان في الحيّ، فازداد بها عجبا، و انصرف بأمّه في غداة تمطر، فمشى معها شيئا ثم أنشأ يقول:
و ما أدري بلى إنّي لأدري
أصوب القطر أحسن أم حبيش
حبيشة و الذي خلق الهدايا
و ما عن بعدها للصّبّ عيش
فسمعت ذلك أمّه فتغافلت عنه و كرهت قوله. ثم مشيا مليّا، فإذا هو بظبي على ربوة من الأرض، فقال:
يا أمّتا أخبريني غير كاذبة
و ما يريد مسول الحقّ بالكذب
أ تلك أحسن أم ظبي برابية
لا بل حبيشة في عيني و في أربي
/ فزجرته أمّه و قالت له: ما أنت و هذا! نزوّجك بنت عمك فهي أجمل من تلك. و أتت امرأة/ عمّه فأخبرتها خبره، و قالت: زيّني ابنتك له، ففعلت و أدخلتها عليه. فلما رآها أطرق. فقالت له أمّه: أيّهما الآن أحسن؟ فقال:
إذا غيّبت عنّي حبيشة مرّة
من الدّهر لم أملك عزاء و لا صبرا
كأنّ الحشى حرّ السّعير يحشّه [١]
وقود الغضى و القلب مستعرا [٢]
و جعل يراسل الجارية و تراسله حتى علقته كما علقها، و كثر قوله للشعر فيها. فمن ذلك قال:
حبيشة هل جدّي و جدّك جامع
بشملكم شملي و أهلكم أهلي
و هل أنا ملتفّ بثوبك مرّة
بصحراء بين الأليتين [٣] إلى النخل
و هل أشتفي من ريق ثغرك مرّة
كراح و مسك خالطا [٤] ضرب النّحل
فلما بلغ أهلها خبرهما حجبوها عنه مدّة، و هو يزيد غراما بها و يكثر قول الشعر فيها. فأتوها فقالوا لها: عديه السّرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك اللّه إن كنت أحببتني فو اللّه ما على الأرض شيء أبغض إليّ منك، و نحن قريب نستمع ما تقولين. فوعدته و جلسوا قريبا يستمعون، و جلست عند السّرحة، و أقبل عبد اللّه لوعدها. فلما دنا منها دمعت عينها و التفتت إلى حيث أهلها جلوس، فعرف أنهم قريب فرجع. و بلغه ما قالوا لها أن تقوله فأنشأ يقول:
لو قلت ما قالوا لزدت جوى بكم
على أنه لم يبق ستر و لا صبر
/ و لم يك حبّي عن نوال بذلته
فيسليني عنه التجهّم و الهجر
و ما أنس م الأشياء لا أنس دمعها
و نظرتها حتى يغيّبني القبر
[١] يقال: حش النار يحشها حشا إذا أوقدها.
[٢] كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «و القلب مصفرا». و كلاهما غير متزن.
[٣] كذا في أ، ء، م. و ألية: ماءة من مياه بني سليم، و فيها أقوال أخرى. (راجع «معجم البلدان» لياقوت). و في سائر الأصول: «الألتين» بتقديم التاء على الياء. و النخل: اسم لمواضع كثيرة.
[٤] الضرب (بالتحريك). العسل الأبيض الغليظ.