الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٥ - مازح صديقا له زنجيا بشعر
و كيف مع معرفتك بي تقدم على الشهادة عندي! فقال له: إني تخوّفت إكراهه، و لقد افتديت شهادتي عندك بمال فلم يقبل منّي فأقمتها [١]؛ فلا يقبل اللّه لك صرفا و لا عدلا إن قبلتها، و قام من عنده؛ و لم يقدر سوّار له على شيء لما تقدّم به المنصور إليه في أمره، و اغتاظ غيظا شديدا و انصرف من مجلسه فلم يقض يومئذ بين اثنين. ثم إن سوّارا اعتلّ علّته التي مات فيها فلم يقدر السيّد على هجائه في حياته لنهي المنصور إيّاه عن ذلك. و مات سوّار فأخرج عشيّا و حفر له، فوقع الحفر في موضع كنيف. و كان بين الأزد و بين تميم عداوة، فمات عقب [٢] موته عبّاد بن حبيب بن المهلّب؛ فهجا السيّد سوّارا في قصيدة رثى بها عبّادا و دفعها إلى نواتح الأزد لما بينهم و بين تميم من العداوة و لقربهم من دار سوّار ينحن [٣] بها، و أوّلها:
/
يا من غدا حاملا جثمان سوّار
من داره طاعنا منها إلى النار
لا قدّس اللّه روحا كان هيكلها
فقد مضت بعظيم الخزي و العار
حتى هوت قعر برهوت [٤] معذّبة
و جسمه في كنيف بين أقذار
لقد رأيت من الرحمن معجبة
فيه و أحكامه تجري بمقدار
فاذهب عليك من الرحمن بهلته [٥]
يا شرّ حيّ براه الخالق الباري
مازح صديقا له زنجيا بشعر
: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عليّ بن محمد البقّال قال حدّثنا شيبان بن محمد الحرّاني- و كان يلقّب بعوضة و صار من سادات الأزد- قال:
كان السيّد جاري، و كان أدلم [٦]، و كان ينادم فتيانا من فتيان الحيّ فيهم فتى مثله أدلم غليظ الأنف و الشّفتين مزنّج الخلقة. و كان السيّد من أنتن الناس إبطين. و كانا يتمازحان، فيقول له السيّد: أنت زنجيّ الأنف و الشّفتين، و يقول الفتى للسيّد: أنت زنجيّ اللون و الإبطين. فقال السيّد:
أعارك يوم بعناه رباح [٧]
مشافره و أنفك ذا القبيحا
و كانت حصّتي إبطيّ منه
و لونا حالكا أمسى فضوحا
فهل لك في مبادلتيك إبطي
بأنفك تحمد البيع الرّبيحا
فإنّك أقبح الفتيان أنفا
و إبطي أنتن الآباط ريحا
[١] كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «فإن أقمتها».
[٢] كذا في ح. و في سائر الأصول: «موت عباد».
[٣] في ح: «فنحن».
[٤] برهوت: بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها. و يشير بقوله: «حتى هوت قعر برهوت» إلى ما ورد في هذه البئر من أنها مأوى أرواح الكفار و المنافقين.
[٥] البهلة: اللعنة.
[٦] الأدلم: الشديد السواد.
[٧] رباح: من أسماء العبيد.