الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٢ - نصحه أبو العتاهية بألا يرثي الأمين فأطاعه
أقطع المعتصم الناس الدّور بسرّ من رأى و أعطاهم النفقات لبنائها، و لم يقطع الحسين بن الضحّاك شيئا.
فدخل عليه فأنشده قوله
:/
يا أمين اللّه لا خطّة [١] لي
و لقد أفردت صحبي بخطط
أنا في دهياء من مظلمة
تحمل الشيخ على كلّ غلط
صعبة المسلك يرتاع لها
كلّ من أصعد فيها و هبط
بوّني [٢] منك كما بوّأتهم
عرصة تبسط طرفي ما انبسط
أبتني فيها لنفسي موطنا
و لعقبي فرطا بعد فرط
لم يزل منك قريبا مسكني
فأعد لي عادة القرب فقط
كلّ من قرّبته مغتبط [٣]
و لمن أبعدت خزي و سخط
قال: فأقطعه دارا و أعطاه ألف دينار لنفقته عليها.
حاز شعرا لأبي العتاهية
: أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال أخبرني عمّي الفضل عن الحسين بن الضحّاك قال:
كنت أمشي مع أبي العتاهية، فمررت بمقبرة و فيها باكية تبكي بصوت شج على ابن لها. فقال أبو العتاهية:
أ ما تنفكّ باكية بعين
غزير دمعها كمد حشاها
أجز يا حسين؛ فقلت:
تنادي حفرة أعيت جوابا
فقد ولهت [٤] و صمّ بها صداها [٥]
نصحه أبو العتاهية بألا يرثي الأمين فأطاعه
: حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى قال حدّثني الحسين بن الضحّاك قال:
كنت عازما على أن أرثي الأمين [٦] بلساني كلّه و أشفي لوعتي. فلقيني أبو العتاهية فقال لي: يا حسين، أنا إليك مائل و لك محبّ، و قد علمت مكانك من الأمين، و إنه لحقيق بأن ترثيه، إلّا أنك قد أطلقت لسانك من التلهّف عليه و التوجّع له بما صار هجاء لغيره و ثلبا له و تحريضا عليه، و هذا المأمون منصب إلى العراق قد أقبل عليك؛ فأبق على نفسك؛ يا ويحك! أ تجسر على أن تقول:
[١] الخطة: المكان المختط لعمارة و غيرها، و هي أيضا أرض يختطها الرجل لم تكن لأحد قبله.
[٢] بوّني: أصلها «بوّئني»، سهلت الهمزة فصارت ياء ثم حذفت لصيغة الأمر.
[٣] يقال: فلان مغتبط (بكسر الباء) إذا كان في نعمة، و مغتبط (بفتح الباء) إذا اغتبطه الغير على نعمة و تمنى أن يكون مثله.
[٤] الوله: الحزن أو ذهاب العقل لفقدان الحبيب.
[٥] الصدى: الصوت الذي يرده الجبل إذا رفع فيه الإنسان صوته. و صمم الصدى كناية عن الهلاك، يقال: أصم اللّه صداه إذا أهلكه، و صمّ صداه. قال امرؤ القيس:
صم صداها و عفا رسمها
و استعجمت عن منطق السائل
[٦] كذا في ح. و في سائر الأصول: «الأمير» و هو تحريف.